فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 735

ومن الحق أن أشير إلى أن بعض هذه الأصول من مبتكرات ابن جنى، واستنباطاته وبعضها الآخر بنى على كلام شيخه الفارسى، وأقيم عليه، فهو يروى مثلا عن أبى على استحسانه لمذهب الكسائى في قوله.

إذا رضيت علىّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبنى رضاها

ويورد كلامه في أنه عدى رضى بعلى كما تعدى نقيضتها وهى سخطت به ثم يخلص من ذلك إلى تأصيل أصل هو «إذا جاز أن يجرى الشيء مجرى نقيضه فاجراؤه مجرى نظيره أسوغ» ثم يبنى على ذلك الأصل قوله. وفيه غيره على سمت ما كنا بصدده، وذلك أنه إذا رضى عنه فقد أقبل عليه فكأنه قال. إذا أقبلت على بنو قشير» وهو غور من أنحاء العربية ظريف ولطيف ومصون وبطين [1] .

وبعد: فهذا ابن جنى في كتاب المحتسب، وذلك مبلغ تأثره بأبى على سلبا وإيجابا، ويعد الكتاب في جملته وعلى نحو ما أثرا من آثار أبى على، وسيرا في طريق الاحتجاج الذى سار فيه الشيخ من قبل في كتابه الحجة، بل إن ابن جنى كان مدفوعا كما بينت في صدر هذا الفصل إلى التأليف فيه بما خطر لأبى على في نفسه، وهجس به خاطره، وقد رأينا أوجه التخالف البعيدة بينه وبين شيخه، وما تخالف فيه هو والشيخ بمقدار، كما عرضت لأوجه التشابه بينهما.

وإن كان لا بد في خاتمة هذا الفصل من كلمة مجملة تختصر ما بين الرجلين من توافق وتخالف في الاحتجاج فاليك هذا الحديث: [2] .

واضح أن ابن جنى يحتج للشواذ، أما أبو على فإنه يحتج لقراءات الأئمة السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد. وقد تكفل أبو بكر بن مجاهد في كتاب القراءات بايراد أوجه الاختلاف مسندة إلى أصحابها، أما ابن جنى فانه بحث هذه الأوجه وساقها هو دليلا على جهده.

وقد رأينا ابن جنى لا تنثال عليه الشواهد كما تنثال على أستاذه ولعل لطبعة البحثين أثرا في ذلك، ثم إن لهجات القبائل ظهرت في كتاب المحتسب على صورة أوسع من ظهورها في كتاب الحجة، ويقابل هذا أن المتن اللغوى عند أبى على ظهر واضحا في احتجاجه، دعاه إليه فيما دعاه حبه للاستطراد.

(2) كل ظاهرة من هذه الظواهر من توافق أو تخالف عللت لها من قبل والمقام هنا مقام جمع لما مضى من غير تعليل أو تدليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت