عمله الذى تولاه تؤديان بنا إلى التسليم بأنه هو الذى أسس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها [1] .
أما فيما يتعلق بطبيعة أبى الاسود، فقد حكى عنه أنه كان بخيلا [2] ، والبخل يدعو إلى التزام الدقة والتحرى والضبط، ثم هو قاض محكم [3] ، والقاضى بحكم عمله يقيس الاشباه والنظائر، ويبدو لى أنه لم يحكم من الناس، ولم يرشح للقضاء إلا لانه مأنوس منه دقة النظرة، وصدق الحكومة.
ومن دليل تحريه، والتزامه الدقة فيما يأتيه أن طلب من زياد أن يبعث إليه ثلاثين رجلا، فأحضرهم زياد، فاختار منهم أبو الاسود عشرة، ثم ما زال ينخلهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس [4] ، فانظر معى كيف يظل يمتحن هؤلاء الرجال الثلاثين، فيصطفى منهم عشرة بادئ الرأى، ثم يمعن في التصفية حتى يستقر على رجل واحد يضع فيه ثقته، ويتوسم منه لقانته؟! وهكذا حقق ما كان يبغيه في الرجل الذى يعاونه إذ قال لزياد: «فليبغنى الامير كاتبا لقنا يفعل ما أقول [5] » !
وقد روى أبو الفرج عن شيوخه ما يدل على بخله، ونزعته المنطقية معا. قالوا:
«كان بين بنى الدئل وبين بنى ليث منازعة، فقتلت بنو الديل منهم رجلا، ثم اصطلحوا بعد ذلك على أن يؤدوا ديته، فاجتمعوا إلى أبى الاسود يسألونه المعاونة على أدائها، وألح عليه غلام منهم ذو بيان وعارضه، فقال له «يا أبا الأسود! أنت شيخ العشيرة وسيدهم، وما يمنعك من معاونتهم قلة ذات يد ولا سودد،»
فلما أكثر أقبل عليه أبو الاسود ثم قال له: «لقد أكثرت يا بن أخى: فاسمع منى:
إن الرجل والله ما يعطى ماله إلا لاحدى ثلاث خلات: إما رجل أعطى ماله رجاء مكافأة ممن يعطيه، أو رجل خاف على نفسه فوقاها بماله، أو رجل أراد وجه الله وما عنده في الآخرة، أو رجل أحمق خدع عن ماله، والله ما أنتم أحد هذه الطبقات، ولا جئتم في شىء من هذا، ولا عمك الرجل العاجز فينخدع لهؤلاء، ولما أفدتك إياه في عقلك خير لك من مال أبى الاسود لو وصل إلى بنى الدئل، قوموا إذا شئتم!» فقاموا يبادرون السباب [6] .
(1) مقدمة طبقات الشعراء لابن سلام.
(2) الأغانى 11/ 104ط الساسى.
(3) المصدر السابق ص 105.
(4) نزهه الألباء ص 6.
(5) الفهرست ص 60.
(6) الأغاني: 11/ 103.