فانظر معى إلى ذلك التقسيم، وما فيه لأبى الأسود من عقل رجيح، ثم تدبر تعبيره آخر الأمر: «ولما أفدتك إياه في عقلك خير لك من مال أبى الأسود» فهو بهذا يدل على أن كلامه كلام حكيم يقوّم الفطن، ويثقف العقول، وفيما روى لنا من شعر أبى الأسود يدل على نزعته التى إليها أشرت اقرأ قوله.
إذا كنت مظلوما فلا تلف راضيا ... عن القوم حتى تأخذ النصف واغضب
وإن كنت أنت الظالم القوم فاطرح ... مقالتهم، واشغب بهم كل مشغب
وقارب بذى جهل، وباعد بعالم ... جلوب عليك الحق من كل مجلب
فان حدبوا فاقعس، وإن هم تقاعسوا ... ليستمكنوا مما وراءك فاحدب
ولا تدعنى للجور، واصبر على التى ... بها كنت أقضى للبعيد على أبى
فانى امرؤ أخشى إلهى، وأتقى ... معادى، وقد جربت ما لم تجرب [1]
ففي هذا النص ما يدل على صائب النطق، وصدق الحكم، والتجربة التى تبعث الحكمة، وهى معان سأعتمد عليها في التدليل على ما أذهب إليه من رأى.
أما طبيعة عمله فهو لا شك يحس جلال العمل الذى ندب إليه، أنه عمل يتعلق بكتاب الله، وهو أمر خطير يدعوه إلى زيادة اليقظة، وعميق الملاحظة، وفضل التأمل إنه سيعرب القرآن بنقطة، وسيقوم بذلك في جميع القرآن فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره [2] وإذن مر بكثير من المرفوعات، وبعدد ضخم من المجرورات، وبمثل ذلك من المنصوبات والمجزومات، أفلا يهديه الحس اللغوى، والمنطق الفطرى إلى جمع الأشباه والنظائر تحت حكم عام، ووضعها في قاعدة واحدة، قاعدة بدائية!؟ وأبو الأسود الذى استطاع أن يعقد قياسا بالملحظ الطارئ العابر بين قوله:
فان يك حبهم رشدا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيا
وقوله تعالى: { «وَإِنََّا أَوْ إِيََّاكُمْ لَعَلى ََ هُدىً أَوْ فِي ضَلََالٍ مُبِينٍ» } [3] ، ألا يستطيع مع فضل التأمل، واستجماع دواعى التثبت، وتعدد الأشباه والنظائر، وخطر العمل الذى ينهض به أن يلحظ عمل الحروف جارة، وناصبة، وجازمة فيما يتوارد عليه من القرآن الكريم؟! وإنك لتقرأ الربع الأول من سورة البقرة الربع الأول فقط فتجد من حروف الجر الذى يقتضى وضع نقطة تحت الحرف ما يأتى:
(1) الأغانى: 11/ 104.
(2) نزهة الألباء 6.
(3) سيبويه امام النحاة ص 135.