فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 735

حتى القراء كالكنانى المتيم بصبابة المغنية [1] ولعل ظهور هذا الانحراف عند هؤلاء وهؤلاء كان من قبيل المجاراة ولم يكن عن رغبة نابعة في نفوسهم إلى الشهوة.

وفى بغداد في القرن الرابع الهجرى كان درب السلق [2] ودار القطن [3]

وباب الطاق [4] ، وبين السورين، ودرب الزعفرانى [5] محلات للغناء والخلاعة والرقص. وهذا أبو حيان يلقى ضوءا على هذه الحياة فيقول: بعد أن عدّد كثيرا من الاطراب والأغانى: «ولو ذكرت هذه الاطراب من المستمعين، والأغانى من الرجال والصبيان والجوارى والحرائر لطال وأمل، وزاحمت كل من صنف كتابا في الأغانى والألحان، وعهدى بهذا الحديث سنة ستين وثلاثمائة. وقد أحصينا ونحن جماعة في الكرخ أربعمائة وستين جارية، ومائة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان البدور، يجمعون بين الحذق والحسن والظرف والعشرة، هذا سوى من كنا لا نظفر به، ولا نصل إليه لعزته وحرصه ورقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء، وبالضرب إلا إذا نشط في وقت، أو ثمل في حال، وخلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه، وترنم وأوقع، وهز رأسه، وصعد أنفاسه، وأطرب جلاسه، واستكتمهم حاله، وكشف عندهم حجابه [6]

وهذا المقدسى وقد زار العراق وجنوب فارس في العهد البويهى يحدثنا عن الفساد الشائع في أهل شيراز القريبة من مولد أبى على [7] وللصاحب بن عباد على جلال قدره شعر في الذكران [8] مما يدل على شيوع هذه الغلاميات في غير تحرز أو حياء عند ذوى المكانة من الأمراء والوزراء فكيف بالسوقة وطغام الناس والسفهاء؟!

على أن لكل موجة من الهوى والمجون في كل عصر ما يقابلها من الهدى والصلاح، وقد ظهر في ذلك العصر زهاد ونساك وصوفية ووعاظ ومتعبدة، بل حنابلة متشددة، يحدثنا أبو الفداء في تاريخه عن حوادث سنة 323هـ أن قد عظم أمر الحنابلة على الناس، وصاروا يكبسون دور القواد والعامة، فإن وجدوا نبيذا

(1) الإمتاع 2/ 182.

(2) الإمتاع 2/ 165.

(3) الإمتاع 2/ 167.

(4) الإمتاع 2/ 169.

(6) الإمتاع 2/ 138.

(7) انظر أحسن التقاسيم 429.

(8) انظر يتيمة الدهر 3/ 12وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت