فإذا انتقلت إلى الحديث عن الحياة الخلقية، وجدنا من النصوص ما يكشف لنا عن صورتها في ذلك العصر. فيتحدث المؤرخون عن إهمال عضد الدولة (ت 372هـ) للشريعة، ويستشهدون على ذلك بأنه فرض على الراقصات والقحاب بفارس ضريبة، وكان يضمن هذه الضريبة [1] كما نجد تعشق الذكران شائعا في ذلك العصر: فيحكى أن سيف الدولة كان له غلام يسمى باسم مؤنث وهو «ثمل» ، وكان عزيزا عليه [2]
وكان الصاحب بن عباد يتعشق غلاما ألثغ السين
وهذا «معز الدولة» يهيم حبا بمملوك تركى في غاية الجمال، فيجعله مقدم الجيش لمحاربة بنى حمدان، وكان الوزير المهلبى يستحسنه ويرى «أنه من أهل الهوى لا مدد الوغى» فقال فيه:
طفل يرق الماء في ... وجناته، ويرف عوده
ويكاد من شبه العذا ... رى فيه أن تبدو نهوده
ناطوا بمعقد خصره ... سيفا، ومنطقة تئوده [3]
وهكذا يخلط معز الدولة الجهاد بالمجون، والجد بالاستهتار والفتون، فلا يتحرج أن يجعل مقدم الجيش غلاما أشبه بالعذارى، قد تحير في أديم خديه ماء الهوى، ورف عوده وكادت تبدو نهوده!!
جعلوه قائد عسكر ... ضاع الرعيل ومن يقوده
وقد كان للشيخ أبى على الفارسى مثل ذلك، محمد بن طويس القصرى أحد تلاميذه وكان حدثا، وكان الشيخ يتعشقه، ويخصه بالطرف، ويحرص على الإملاء عليه والالتفات إليه، وبه سمى مسائله على رأى القصريات!! [4] .
ولم ينج من الانغماس في هذه الحمأة أهل التوقر والتحرج فجرف التيار المتصوفة من أمثال ابن فهم الصوفى [5] ، وأبى الوزير [6] ، والقضاة كالجراحى أبى الحسن الذى يغمز بالحاجب إذا رأى مرطا، وأمل أن يقبل خدا وقرطا [7] .
والمتطببين والفلاسفة: كابن غسان البصرى الذى أحرق العشق كبده على غلام بباب الطاق [8] ، والمنطقى أبى سليمان المفتون بصبى موصلى ملأ الدنيا عيارة وخسارة [9]
(1) الحضارة الاسلامية 2/ 141.
(2) تاريخ تجارب الأمم لابن مسكويه 6/ 831.
(3) وفيات الأعيان ج 1/ 394.
(4) معجم الأدباء 18/ 206.
(5) الإمتاع 2/ 166.
(6) نفس المرجع 2/ 167.
(7) الإمتاع 2/ 168.
(8) الإمتاع 2/ 166.
(9) الإمتاع 2/ 174.