ولما سمع الفرزدق ينشد:
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف
قال ابن أبى إسحاق، على أى شىء ترفع أو مجلف، قال: على ما يسوؤك وينوؤك [1] ، وهكذا تتحرج العلائق بين الفرزدق الشاعر، وابن أبى إسحاق النحوى على ما تصوره هذه الاجابة، وما يشير إليه قول الفرزدق يهجو ابن أبى إسحاق:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا [2]
فيقول ابن أبى إسحاق: «وقد لحنت أيضا في قولك: موالى مواليا، وكان ينبغى أن تقول مولى موال [3] . ويقول الدكتور الحاجرى تعليقا على ذلك، ولم يلتفت ابن إسحاق إلى شىء من هذا الهجاء، كأنما هو لا يعيبه، وإنما همه من هذا الشعر هذا المأخذ النحوى الجديد يهاجمه به، وبشهره عليه، إذ كان ينبغى أن يقول: مولى موال لا مولى مواليا [4] .
وأنا أخالف الدكتور الحاجرى فيما قرره من أن ابن أبى إسحاق لم يلتفت إلى هذا الهجاء، بل لقد التفت إليه، ورد عليه، بأوجع من الهجاء، وصوب إليه سهام التخطئة، ورماه باللحن الذى كانوا يتحرجون منه أشد الحرج، ويودون أن لو جرت ألسنتهم بالعربية الخالية منه، وقد خضع الفرزدق نفسه للنحاة فأصلح من شعره على الوجه الذى ارتضوه وإن يكن ذلك بعد إلحاح تارة مثل عدوله في مدحه ليزيد إلى قوله: «على زواحف نزجيها محاسير [5] » أو التماس لهذا الإصلاح في غيظ تارة أخرى كما رأوا أن الفرزدق لما أخذ عليه بيت في شعره قال: «أين هذا الذى يجر خصيبه في هذا المسجد!؟» يعنى ابن أبى إسحاق [6] . ومهما يكن من أمر فخضوع الفرزدق دليل على سلطان النحو والنحاة وتحكمهم في الشعر والشعراء من هذه الفترة في تاريخ العربية [7] .
وقد بقيت أثارة من سلطان النحاة على الشعراء في العصر العباسى، فالخليل يعد الشعراء تبعا إن رضى عنهم نفقت بضاعتهم وإلا حل بها وبهم البوار: أورد
(1) نزهة الالباء 13.
(2) الفهرست 62.
(3) نزهة الالباء 12.
(4) فى تاريخ النقد: 120.
(5) أخبار النحويين البصريين 27وطبقات الزبيدى 26.
(6) طبقات الزبيدى: 27.
(7) راجع تاريخ النقد الأدبي لطه الحاجرى: 121118.