وقد كان للتعصب المذهبى في العصر الأموى أثر في النشاط النحوى، فابن أبى إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان على العرب [1] ، وربما كان تتبع ابن أبى إسحاق للفرزدق يرجع فيما يرجع إلى هذه النزعة، وكان أبو عمرو بن العلاء أشد الناس تسليما للعرب [2] ، فوقف من شعرائهم موقفا يقوم على تجويز ما ذهبوا إليه، وتوجيه ما قالوه بما يتفق أيضا وأساليب العربية، ولما اعترض ابن أبى إسحاق على الفرزدق في رفع مجلف من قوله:
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال الا مسحتا أو مجلف
قال أبو عمرو للفرزدق: أصبت» وهو جائز على المعنى أى أنه لم يبق سواه [3] .
ومن أجل ذلك اكتوى ابن أبى إسحاق من الفرزدق بنار الهجاء، كما نضد الفرزدق لأبى عمرو عقود الثناء، ففيه يقول:
ما زلت أفتح أبوابا، وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار [4]
* * * وإذا انتهيت إلى ذلك يجمل بى أن ألخص المعالم الكبرى للنشاط النحوى، منذ نشأ النحو حتى أبى على الفارسى، وتتلخص هذه المعالم فيما يأتى:
(1) نشاط النحويين في توقى اللحن القرآنى.
(2) توجيههم الإعرابى للقراءات الصحيحة.
(3) تآليفهم وتطور إنتاجهم منذ أبى الأسود حتى سيبويه.
(4) حلقاتهم المعقودة للدرس منذ سعد الرابية حتى عصور العربية الزاهية.
(5) اختصار كتب الأقدمين وبخاصة كتاب سيبويه
(6) كتابتهم في أصول النحو.
(7) مناظراتهم ومجالسهم.
(8) نشاطهم في النقد الأدبى، وتقويم مكانتهم في ذلك المجال
ويتسلم أبو على الفارسى هذا التراث الضخم بمظاهر النشاط المختلفة فيه ثم يكون له مشاركة تمضى بهذا النشاط قدما كما يأتى البيان.
(1) طبقات الزبيدى: 26.
(2) نزهة الالباء: 12.
(3) نزهة الالباء 13وانظر تاريخ النقد الادبي لطه إبراهيم: 51.
(4) طبقات الزبيدى: 28.