إذا سئل عن شىء أجاب عنه، ووجد له شاهدا من شعر بشار احتج به استكفافا لشره [1] .
وأرى أن القصة سواء أكانت للأخفش أم سيبويه تدل على مكانة النحاة فلهم وإن عدموا ألسنة الشعراء، وما يجرى عليها من الهجاء سلطة يرفعون بها أهل القريض، فيحتجون بما يقولون، وينزلون بهم فلا يحتجون، وقد ظلت هذه النزعة حتى أبا على الفارسى إذ ورد أنه كان يحتج بشعر لأبى تمام [2] .
ومن الإنصاف للنحاة أن أذكر أنهم ما كانوا يصدرون في أحكامهم على شعر الشعراء من حيث الاحتجاج به، أو الاغضاء عنه عن هوى في نفوسهم، أو خوفا من غضب الشعراء، واتقاء لمعرة ألسنتهم، كما تقولوا على سيبويه أنه استشهد بشعر بشار من أجل ذلك. وأنه استشهد في باب الادغام بقوله: «وما كل مؤت نصحه، بلبيب [3] » ، وأنه تلافاه واستشهد بشعره، ويرد هذا التقول الأستاذ على النجدى في كتابه سيبويه [4] ، بجملة من الأدلة فالبيت غير منسوب، ولن تهدأ نفس بشار إلا إذا ذكر اسمه في الاستشهاد أولا، ثم لن يقصد سيبويه اغفال اسم بشار، إذ لا معنى لهذا ما دام قد قبل الاحتجاج بشعره ثانيا، وقد راجع الأستاذ بائيات بشار في ديوانه فلم يعثر على هذا البيت فيها ثالثا، على أن أبا العلاء المعرى، وهو رجل صادق النظرة، عادل الحكومة رد ذلك التقول بقوله:
«ويجوز أن يكون استشهاده به على نحو ما يذكره المتذاكرون في المجالس ومجامع القوم» ، وأن هذا الشاهد في «باب الإدغام» من الكتاب لم يسم قائله»، وأنه منسوب إلى أبى الأسود الدؤلى في زعم ناس آخرين [5] فهو من أجل ذلك كما يقول الأستاذ النجدى: «ليس خالصا لبشار [6] » وفى ذلك ما ينصف سيبويه» وينفى تقول المتقولين عليه خاصة وعلى غيره من النحاة المتقدمين على وجه العموم * * *
(1) الاغاني: 3/ 52ط ساسى.
(2) انظر شذرات الذهب: 3/ 89، ومجلة المجمع: 6/ 100وسأناقش ذلك بعد.
(3) رسالة الغفران: 365.
(4) انظر 148.
(5) رسالة الغفران: 365.
(6) سيبويه امام النحاة: 148.