ما كان يناله المشركون من المسلمين لو نالوه خيرا على حسب ما كان عند المشركين.
وإن لم يكن في الحقيقة كذلك. وقد قال زهرة اليمن يعنى جريرا:
أبلغ كليبا، وأبلغ عنك شاعزها ... أنّى الأغر وانّى زهرة اليمن
فأجابه جرير:
ألم يكن في وسوم قد وسمت بها ... من خاف موعظة يا زهرة اليمن
ومن ذلك قول النابغة الجعدى أو غيره من القدماء:
إذا أصبح الديك يدعو بعض أسرته ... إلى الصباح وهم قوم معازيل
فكما أجرى الأسرة والقوم على الدجاج وإن لم يكن مما يسمى في كلامهم بقوم ولا أسرة، كذلك يجوز أن يقع اسم قوم على الجن لدعائهم إلى الإيمان، وإن كان اسم قوم لا يقع عليهم كما لا يقع على الدجاج إلا في هذه المواضع المتسع فيها للتشبيه، وإذا كان ما ذكرته في التأويل في قول الجن بعضهم لبعض ممكنا لما أوردته من الدليل سقط ما أتى به صاحب الرقعة من الاستدلال بالآية [1]
* * * وهكذا قدم أبو على الدليل النقلى أولا فاستشهد بالقرآن الكريم والمروى من الشعر القديم، ثم مزح ذلك الدليل النقلى بالدليل الصرفى، واستعان على تفسير القرآن بالقرآن، وأعانه على ذلك حافظة قوية الاستحضار للآى التى تناسب المقام، ومذخور من اللغة والشعر، وكان أمينا في الرواية، سالكا سبيل المناطقة في التدليل الذى تسلمك مقدماته إلى نتائجه في سلامة ويقين، وفى هوادة ولين.
مثال هجومه على ابن خالويه: وقوله ابن خالويه اختلف أهل النحو في الناس على أربعة أوجه فقال قوم نوس، وقال آخرون نيس بالياء، واحتجوا بأن الكسائى قرأ قل أعوذ برب الناس بالامالة، وقال آخرون النسى بتأخير الياء، فقدمت اللام إلى موضع العين، فان تعديد هذا الوجه، وجعله وجها غير الذى تقدمه خطأ، لأن هذا نفس الذى ذكره وليس غيره، فلو جاز أن يعد المقلوب والمقلوب عنه وجهين فيقال أن المقلوب غير المقلوب عنه لجاز أن يعد المحذوف والمحذوف منه منه وجهين فيصير خمسة أوجه فهذا غلط في العدد ودلالة على ضعف التمييز، وفيما قدمته من الدلالة على إن الهمزة في أناس فاء الفعل ما يدل على أن الألف زائدة وفى كونها زائدة ما يبطل كونها منقلبة، وإذا لم تكن منقلبة سقط هذان القولان
(1) الحلبيات 5نحوش: 34.