وبين «سبكرى» غلام عمرو بن الليث، فيؤسر طاهر، ويوجه هو وأخوه يعقوب إلى الخليفة المقتدر مع كاتبه عبد الرحمن بن جعفر الشيرازى إلى بغداد أسيرين ويحبسان ويولى سبكرى على فارس (297هـ) ويقرر الخليفة أمره على مال يحمله [1] .
ولا يستقر الأمر لسبكرى، ففي نفس العام الذى ولى فيه يتقدم الليث بن على ابن الليث من سجستان إلى فارس، ويستولى عليها، ويهرب سبكرى إلى أرجان، ويسيّرا الخليفة مؤنسا الخادم إلى فارس معونة لسبكرى، وبعد حرب يخفق فيها مؤنس يعول ابن الفرات وزير الخليفة على محمد بن جعفر في فتح فارس، ويستولى عليها ابن جعفر، ثم لا يلبث حتى يموت (298هـ) ، ويستعمل عبد الله بن إبراهيم المسمعى [2] ، ولا يستقر به الحال حتى يعزل (300هـ) [3] ، ويستعمل على فارس بدر الحمامى وفى سنة 304هـ يخالف أبو زيد خالد بن محمد على المقتدر بالله بكرمان وكان يتولى الخراج ويسير منها إلى شيراز يريد التغلب عليها، فيخرج إليه بدر الحمامى ويحاربه ويقتله، وتحمل رأسه إلى بغداد، ويطاف به [4] .
وقد قصدت قصدا إلى اقتباس هذه الناحية التاريخية، وابتدأتها من ميلاد أبى على الفارسى (288هـ) إلى أن انتقل إلى بغداد (308هـ) ، وكانت الحال من قبل هذه السنين لا تقل اضطرابا وقلقا ونزاعا بين القواد على ملك فارس [5] ، ولا شك أن أبا على الفارسى سئم هذه الحال القلقة في بلاده [4] ، وتطلع كأمثاله إلى بغداد عاصمة الخلافة [5] ، والتى يرد منها الولاة الذين يحكمون، والتى فيها الخلفاء والوزراء الذين يولون ويعزلون، وفى بغداد أيضا، العلماء والمتعلمون، والفقهاء والمتفقهون، ورؤساء المتكلمين [6] ، والأطباء [7] ، وسادة الحساب والنحوية، ومجيدو الشعراء، ورواة الأخبار والأنساب، وفنون الآداب، وحضور كل طرفة [8] . ومن هنا كان علماؤها متجه المستفسرين من مختلف العواصم الإسلامية إلى ذلك الحين [9] ، ولئن ضعفت الخلافة في بغداد إنها لم تزل مع ذلك محتفظة بكيانها الثقافى، وصدارتها في ميدان البحث العلمى في ذلك العهد، الذى وفد
(1) الكامل 8/ 20.
(2) الكامل 8/ 21.
(3) المصدر السابق 8/ 26.
(4) المصدر السابق 8/ 36.
(5) راجع الكامل لابن الأثير فيما قبل / 288هـ.
(6) تاريخ بغداد / 51.
(7) الكامل لابن الأثير 8/ 55.
(8) تاريخ بغداد 1/ 51.
(9) انظر الإمتاع 1/ 130.