من قدر أبى على الفارسى لعلة قريبة، هى أن أبا على شيخ من شيوخ ابن الأنبارى، ومن أولئك الذين تمر بهم سلسلة سنده في علم العربية فقد أخذ ابن الأنبارى عن ابن الشجرى، وهذا قد أخذه عن طباطبا عن الربعى عن الفارسى [1] ، وسأكشف في القابل من هذا البحث عن التأثر البعيد الذى ظهر عند ابن الشجرى مقتفيا آثار أستاذه الفارسى [2] .
ومن هنا أرانى مضطرا للرجوع إلى كتب الزجاجى في النحو لأتهدى بها في تحقيق ما روى الأنبارى عن الفارسى، نعم لا بد من ذلك لأمور:
أحدها ما ذكرته من أن الأنبارى لا يسلم له ما يرويه في يسر، لما ذكرت من تعليل.
وثانيها أن منهج هذا البحث يفرض على أن أتعرف العلاقة التى كانت بين أبى على ومعاصريه، وهذه لا بد لإيفاء الكلام عنها من الاتصال بآثار هؤلاء بعامة، والزجاجى الذى رمى في نحوه، والذى عقدت له هذا الفصل بخاصة.
والثالث أن الناس يختلفون في تقدير الزجاجى، فمنهم من يحط من قدره في النحو حتى وصف بما تومئ إليه عبارة الفارسى، ومنهم من يثنى على نحوه ممثلا في كتابة الجمل ثناء مستطابا [3] .
والرابع أنه من المحتمل صدور هذه القولة عن أبى على الفارسى مدفوعا بالمنافسة التى تكون غالبا بين العلماء المتعاصرين، هذا إلى ما ركب في النفوس من حب التنقص، والنظر المضاد. وقد ألم بهذا المعنى الزجاجى نفسه في تصدير كتاب الإيضاح في علل النحو حيث يقول:
«وينبغى أن يعلم أن أصدق الناس له، وأبرهم به لن ينظر في تصنيفه إلا نظر مضاد له ومكاشح [4] » ولعل أبا على الفارسى كان على حق فيما ذهب إليه، لاختلاف المنهجين في تناول النحو بين الرجلين، ومحل كل في هذه الصناعة، وقد أحس الزجاجى ذلك حيث يقول:
(1) نزهة الألباء 270.
(2) انظر الفصل الخاص بذلك ص 630.
(3) راجع شذرات الذهب 2/ 357.
(4) مقدمة كتاب الإيضاح.