فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 735

إلى هذه الدوافع معرفة الرجل بلغات أخرى غير العربية وقد دل على ذلك بقوله: «للعرب حسن بيان، وفضل نظم وحكمة، ولما حباها الله (عز وجل) بذلك تخصيصا منه وتكرمة، فإذا كان كذلك كان مرجع ذلك كله إلى أصل واحد [1] .

وهذا غير مشكل، وقد اعتبرنا ذلك في عدة لغات عرفناها سوى العربية، فوجدناه كذلك لا ينفك كلامهم كله من اسم وفعل وحرف، ولا يكاد يوجد معنى رابع، ولا أكثر منه، وإن كان ليس له ترتيب العربى ونظمه وحسن تأليفه [2] . فعندى أن هذه الدوافع العامة والخاصة هى التى خلقت النزعة المنطقية في كتاب الإيضاح في علل النحو، فجعل صاحبه الزجاجى في عنوانه: لفظ العلل، وألحق به مسائل في الحدود، وحشاه بالجدل والمناظرة، على النحو الذى سأعرض له. ودعا الناس إلى اختباره في إلحاح، وآثر به الخاصة من الأخوان، وتاه به كما رأيت من تيها عظيما.

وإذ ثبت أثر المنطق في الارتفاع بمكانة النحوى ورسوخ قدمه في النحو، فقد آن أن أبين مدى ظهور المنطق في نحو الزجاجى، وفى كتاب الإيضاح الذى تبدت فيه هذه النزعة، لأعرف: «أصادقا كان أبو على حين قال قولته فيه، أم كان مجانبا الحق فيما يدعيه» .

ولا يظن ظان أنى أقول بهذا المقياس المنطقى الذى رسمه أبو حيان، وارتضاه للنحاة في عصره، فلست أرضى أن يثقل كاهل النحو بمسائل المنطق، وعلله وأقيسته، وقضاياه على هذا النحو. بل أعد هذا بعض ما أرهق النحو من فترة جعلته كالحا بعد نضرة، محترقا بعد نضج، ولكنى أعيش ببحثى هذا في القرن الرابع الهجرى، فكان لزاما أن أقيس بمقاييس أهله، وأوازن بين المتعاصرين فيه بالموازين التى ارتضوها، تاركا القول في نقد هذه المقاييس وتقديرها إلى مكانه المقسوم.

وأعود بعد هذا إلى الكشف عن كتاب الإيضاح في علل النحو للزجاجى وطريقة صاحبه في تناول المسائل المنطقية، موازنا بينه في ذلك وبين أبى على:

يبدو المنطق من عنوان الكتاب، فاسمه «الإيضاح عن علل النحو» ثم تقرأ المقدمة أو على حد تعبير القدامى الخطبة فتطالعك العبارة الآتية من قول الزجاجي:

(1) يشير إلى انقسام الكلام إلى اسم وفعل وحرف.

(2) الإيضاح 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت