فهرس الكتاب

الصفحة 625 من 735

«كل يؤلف على قدر طباعه، واختيار نفسه ومحله من ذلك العلم الذى يعانيه، ويروض نفسه للتصنيف فيه علوا واقتدارا عليه، أو نقصا عنه وتبلدا فيه، أو توسطا بين هاتين المنزلتين» .

لعلك لحظت هذه القسمة العقلية في منازل المؤلفين من العلو والاقتدار، ثم النقص والتبلد، ثم ما بين هاتين المنزلتين من التوسط.

أو يقول: ومن لم تدعه نفسه إلى الأنفة من مطاولة نظيره عليه في العلم والرتب واعتلائه إياه، وغلبته له، فإن البهيمية غالبة عليه»

وهذا معنى يذكره الفلاسفة كثيرا في درجات الإنسان والأحوال التى تعروه.

ثم تراه يدعو غيره إلى تتبع ما أودعه هذا الكتاب «فإن هو فعل ذلك وتدبره ولم يره ينقاد في طريقة القياس مستمرا، ورأى أنه لا حق إلا في غيره كانت حلبة التناظر باجتماع ذوى الهمم والنظر والفحص والجدل معنا فيها فاصلة بيننا وبينه، حتى نصير معا بحق النظر إلى الصواب، فنعتقده جميعا» .

وهكذا يلقاك المنطق، وتطالعك الفلسفة في أول الكتاب، فإذا ما وصلت إلى الصلب منه رأيت حجاجا، وتعليلا، وقياسا وتدليلا، وإذاعة لاصطلاحات المناطقة:

كالحكم والتسليم بالصحة، والبرهان، والنظر، والدليل القاطع، والحجة، ووضوح الدلائل، وإقامة البراهين، والدلائل العقلية، والحقيقة، ولزوم الحجة، والمعارضة، وبطلان الدعوى، وتصحيحها، وبديهة العقل، والمشكل الملبس، والغامض الخفى، والساكن المتحرك، ولا ساكن ولا متحرك، والمحال، والاستدلال، والمعقول الظاهر، والأجسام والأعراض، وصحة المذهب، والتقليد، والبحث، والنقض، والشكوك التى لا تدفع الحقائق.»

تجد ذلك كله في أول ما بدأ به من العلل، وذلك حيث يقول:

«فأول ما نذكر ذلك إجماع النحويين على أن الكلام اسم وفعل وحرف، وحقق القول بذلك وسطر في كتابه سيبويه، الناس بعده غير منكرين عليه ذلك:

نبدأ بما يسأل عنه أصحاب سيبويه، وما يحتج به له. يقال لأصحابه وسائر من اعتقد هذا المذهب: من أين لكم أن كلام العرب كله اسم وفعل وحرف؟ وكيف حكمتم بذلك، وسلمتم بصحته من غير دليل ولا برهان؟ وإنما ذكره سيبويه في أول كتابه

حين قال: «الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى» . فقال قائلون: «إنما قصد الكلام العربى دون غيره» . وقال آخرون: «بل أراد الكلام العربى كله والعجمى» ، وفى ذلك احتجاج ونظر لم نقصد له في هذا الكتاب ولسنا نخاطبكم إلا على أنه قصد الكلام العربى دون سائر اللغات، لأن الجواب عن ذلك أسهل عليكم وأقرب، ثم مثل سيبويه كل صنف من ذلك ولم يقرئه بدليل قاطع، ولا حجة، فدل على أن الكلام ثلاثة أقسام كما ذكروا، وأنه لا رابع لهذه الأقسام ولا خامس ولا أكثر من ذلك فإن كنتم قلتم عنه تقليدا من غير برهان ولا حجة فأنتم في عمياء وشبهة، فما دعاكم إلى قبول ذلك منه وقد علمتم أن النحو علم قياسي ومسبار لأكثر العلوم لا يقبل إلا ببراهين وحجج ما خلا ما لزم قبوله من علوم الشريعة بعد وضوح الدلائل وإقامة البراهين، والدلائل العقلية والحقيقية على لزوم الحجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت