غرق أبو على في نعمهم، فلماذا لا يكون تشيعه حقيقة كما انتهيت إليه لا مصانعة؟
وهل يخفى على البويهيين تصنعه، والتصنع ثوب يشف عما تحته؟! ثم ما الذى يدعوه أن يصانع؟ وماذا تكون العاقبة لو أن البويهيين وهم غلاة في التشيع كشفوا ما وراء هذا التصنع؟
لقد كان عضد الدولة شيعيا من قوم شيعيين [1] . حتى أنه اتخذ كاتبا من قم المشهورة بالتشيع هو: «أبو الحسن القمى [2] » . وهكذا كان يصطفى عضد الدولة المتشيعين، وكان أبو على مصطفى من المصطفين، فهو شيعى حقا في غير مواربة أو مصانعة، إلى أن عضد الدولة كان متيقنا صفاء الطوية من أبى على [3] . وهكذا كانت القضية التى ساقها الأساتذة المحققون تحمل في طياتها دليل نقضها وبطلانها.
ولم يتبع السادة الأساتذة القضية بالدليل، ولكنى وجدتهم بعد صفحات ثمان يذكرون القصة الآتية دليلا على أن ابن جنى كان لا يسلم من حسد معاصريه: ذلك أن ابن جنى كان يوما في «زبزب» مع الرضى والمرتضى العلويين، وكان على ابن عيسى الربعى يمشى حينئذ على شاطئ النهر، فلما رآهم قال للعلويين: من أعجب أحوال الشريفين أن يكون عثمان (ابن جنى) جالسا معهما في الزبزب، وعلى يمشى على الشط بعيدا منهما [4] ، وفى رواية أن المرتضى قال للملاح حين سمع ذلك منه:
«جد وأسرع قبل أن يسبنا» . ثم علقوا على هذه القصة بما فهموه منها: حيث قالوا: «ويفهم من هذا ما هو مذكور عن الربعى هذا من أن به لوثة، وجسارة، وبدوات لا تؤمن، وأنه كان شيعيا، وأن ابن جنى لم يكن شيعيا [5] . وأنت ترى أن القصة لا تنتهى بنا إلى هذه النتيجة التى انتهى السادة الأساتذة اليها بل هى دليل على ثبوت التشيع عند ابن جنى، ولا تنفيه عنه، فهو مع شريفين شيعيين، ولا يؤول كلام الربعى بأنه شيعى، وابن جنى غير ذلك فالرواية التى اعتمدوا عليها لا تؤيد شيئا مما فهموه، ورواية ابن الانبارى في نزهة الألباء [6] تثبت تشيع الربعى، ولا تنفى تشيع ابن جنى، فكلام الربعى أشبه بالعتب على المرتضى، ونص في الحسد لابن جنى دون التعرض لشيعيته. والله أعلم.
(1) انظر ابن الاثير 6/ 146.
(2) معجم الأدباء 12/ 83.
(3) انظر معجم الأدباء 7/ 237.
(4) أقول يفهم من نص الانبارى في نزهة الالباء ص 226235أن اليوم كان شديد الحر وأن الربعى قال: يا مرتضى ما أحسن هذا التشيع! على تتقلى كبده في الشمس من شدة الحر الخ.
(5) مقدمة سر صناعة الاعراب 4241.
(6) انظر نزهة الالباء: 225، 226.