ويزيل ما اختلط بها من غموض وابهام. قد ضل منافسوه حتى ملوا مجاراته، وهو هو لم يتورط، أو يدركه الضلال، غلاب شديد الغضب، في جلبة تهد الأرض، فلا يجرؤ أحد أن يقف أمامه خشية ورعبا. فيه فحولة، أسعد الزمان بحياته، ثم أسخط بموته، وما أكثر ما تبعد بنا الأيام!
ومن الدلائل الخاصة على ذكاء أبى على نصحه لأبى القاسم عبد الله بن محمد بن جرو الأسدي، وكان يلثغ بالراء غينا فقال له الفارسى: «ضع ذبابة القلم تحت لسانك لتدفعه بها، وأكثر مع ذلك ترديد اللفظ بالراء» .
ويفعل ابن جرو الأسدي ما نصح به أبو على فيستقيم له إخراج الراء [1] .
قال ياقوت: ما أحسن ما تلطف أبو على في طبه هذا! فما الذى دله على هذه المعالجة؟ ومن أين استنبط هذه المداواة، وكيف احتال لهذا البرء؟ ثم علل لذلك تعليلا يتفق مع طبيعة الراء في النطق، وعادة الألثغ، وأثر رفع اللسان بالقلم أو نحوه في ذلك. ثم قال: فلو كان واصل بن عطاء الغزالى حاذقا حذق أبى على (رحمه الله) فداوى رأرأته ولثغته بهذا الدواء لأراحه من تكلفه إخراج الراء من كلامه، حتى شاع عنه من ابدال بعض الكلم ما شاع [2] .
وبراعة أبى على في النكتة، وسرعة استحضارها دليل كذلك على الذكاء: نقل صاحب أعيان الشيعة عن رياض العلماء أن جماعة وقفوا على باب أبى على فلم يفتح لهم فقال أحدهم: «أيها الشيخ! اسمى عثمان، وأنت تعلم أنه لا ينصرف، فبرز غلامه وقال: إن الشيخ يقول: «إن كان نكرة فلينصرف [3] !!.
ومما يشهد لأبى على بصفاء ذهنه، وخلو فكره أنه سئل قبل أن ينظر في العروض عن خرم متفاعلن، فتفكر وانتزع الجواب فيه من النحو [4] .
وقد يكون في هذه القصة شىء من المبالغة أشبه بذلك الذى يحكى عن الخليل من أن ملك اليونان كتب إليه كتابا باليونانية فخلا بالكتاب شهرا حتى فهمه، [5]
ولكن القصة على كل حال صدى لما كان يشتهر به أبو على من الذكاء.
على أن آثار العالم تدل على عقليته، وهذه كتب أبى على تنطق بما كان عليه من دقة في الاستخراج، وبراعة في الاحتجاج، ولطف في القياس والاستدلال،
(1) بغية الوعاة: 320.
(2) معجم الأدباء: 12/ 67.
(3) اعيان الشيعة: 21/ 21حاشية نكتة الشيخ! تحوية
(4) انظر بقية الخبر في معجم الأدباء: 7/ 235/ 226.
(5) انظر الخبر بتمامه في طبقات الزبيدى: 47.