جالسين متفرقين إما بين يديه أو وراءه وقد صرح بذلك ابن حزم فقال وإن كان بحضرته جماعة فإن كانوا كلهم أمامه أو خلف ظهره أو على يساره فليناول الأكبر فالأكبر ولا بد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث حويصة ومحيصة كبر الكبر قال فهذا عموم لا يجوز أن يخرج منه إلا ما استثناه نص صريح كالذي ذكرنا من مناولة الشراب قال والدي رحمه الله في شرح الترمذي والاستدلال بحديث ابن عباس المتقدم أولى من الاستدلال بعموم قصة حويصة ومحيصة لكونه واردا في السقي وذاك في أن الأكبر يتولى البداءة في الكلام انتهى
وقال النووي وأما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي في باقي الأوصاف ولهذا يقدم الأعلم والأقرأ على الأسن النسيب في الإمامة في الصلاة
الحادية عشرة إن قلت كيف تقدم عمر بالكلام وقال للنبي صلى الله عليه وسلم أعط أبا بكر قلت لم يفعل ذلك على سبيل الإلزام والجزم وإنما قاله تذكيرا للنبي صلى الله عليه وسلم لجواز اشتغاله عنه وعدم رؤيته له ولهذا جاء في رواية لمسلم يريه إياه أو قصد بذلك إعلام الأعرابي الذي على اليمين بجلالة أبي بكر رضي الله عنه
الثانية عشرة إن قلت قد تقرر أن الأيمن أحق وله أن يؤثر بأحقيته فلم لم يستأذنه النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل في قضية ابن عباس حيث كان على يمينه وكان على يساره أشياخ منهم خالد بن الوليد فاستأذن ابن عباس وقال أتأذن لي أن أعطي هؤلاء فامتنع من الإيثار فهلا استأذن الأعرابي كما استأذن ابن عباس قلت الجواب عنه من أوجه أحدها قال النووي قيل إنما استأذن الغلام دون الأعرابي إدلالا على الغلام وهو ابن عباس وثقة بطيب نفسه بأصل الاستئذان لا سيما والأشياخ أقاربه قال القاضي عياض وفي بعض الروايات عمك وابن عمك أتأذن لي أن أعطيه
ثانيها أن يكون فعل ذلك تطييبا لخاطر الأشياخ فإن منهم خالد بن الوليد وكان حديث العهد بالإسلام مع رياسته في قومه وشرف نسبه فأراد تأليفه بذلك بخلاف أبي بكر الصديق فإنه مطمئن الخاطر راض بكل ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم لا يتغير لشيء من ذلك وقد أشار إلى بعض هذا النووي فقال بعد ما تقدم وفعل ذلك أيضا تألفا لقلوب الأشياخ وإعلاما بودهم وإيثار كرامتهم إذا لم يمنع منها سنة
ثالثها أن الأعرابي قد يكون في خلقه جفاء ونفرة كما يغلب ذلك على الأعراب فخشي النبي صلى الله عليه وسلم من استئذانه أن يتوهم إرادة صرفه إلى أصحابه وربما سبق إلى قلبه شيء هلك به لقرب عهده بالجاهلية وعدم تمكنه في معرفة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وقد تظاهرت النصوص على تألفه عليه الصلاة والسلام قلب من يخاف عليه ولعله كان من كبراء قومه ولهذا جلس على يمين النبي صلى الله عليه وسلم