وأما الأموال فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يبقي على مال من النقود والعروض والحيوانات ونحوها حتى يوصي فيه بل كان يؤثر بما يملكه شيئا فشيئا وما كان على ملكه من الأرض ونحوها فقد وقفه وأعلم بأنه لا يورث وأن جميع أمواله صدقة ففي
صحيح البخاري عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخي جويرة بنت الحارث رضي الله عنهما قال ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة
ولا يشترط في الوصية أن تكون في المرض بل القوي الاستعداد يوصي بما يحتاج إليه في الصحة ولا يحتاج في المرض إلى تجديد وصية وقد كان والدي رحمه الله يفعل ذلك فلم يحتج في مرضه إلى تجديد وصية بشيء أصلا فكيف بمن هو أعلى رتبة منه من صلحاء هذه الأمة وعلمائهم وسلفهم الأول فكيف بالسيد الكامل المفضل على جميع الخلق صلى الله عليه وسلم فإن قلت قد توفي صلى الله عليه وسلم وعليه دين ليهودي فكيف لم يوص به وقد قررتم أن الوصية بالديون واجبة قلت كانت درعه عليه الصلاة والسلام مرهونة عند ذلك اليهودي فكان الرهن حجة لليهودي ولم يحتج للوصية به مع أن علمه ذلك لم يكن مختصا به فقد علمه بعض أصحابه ولهذا أخبرت به عائشة رضي الله عنها
الثامنة قوله يبيت ليلتين فيه اغتفار تأخر ذلك يسيرا دفعا للحرج والعسر فإنه قد تتزاحم أشغال تقتضي التأخير وقد يحتاج تذكر ما عليه وضبط مقداره إلى زمن وتفريغ خاطر وقد عرفت أن في رواية مسلم ثلاث ليال وفي رواية للبيهقي ليلة أو ليلتين وذلك يقتضي أن ذكر الليلتين ليس على سبيل الضبط والتحديد وإنما هو على سبيل التقريب والتوسع والإشارة إلى اغتفار الزمن اليسير وقد قال ابن عمر ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي وكان الثلاث غاية للتأخير فيبادر بحسب التيسر في تلك المدة والله أعلم
التاسعة قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة تكلم بعضهم في الشيء اليسير الذي جرت العادة بتداينه ورده مع القرب هل يجب الوصية به على التضييق والفور وكأنه روعي في ذلك المشقة وقال النووي في شرح مسلم قالوا ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجريان الأمور المتكررة
العاشرة استدل به من اعتمد على الخط والكتابة في جميع الأمور لأنه عليه الصلاة والسلام اعتمد الكتابة من غير زيادة عليها فدل على الاكتفاء بها
واستدل به من اعتمد الخط في الوصية خاصة وبه قال محمد بن نصر المروزي من أئمة الشافعية عملا بظاهر هذا الحديث وإن لم يعتمد الكتابة في غيرها ونص على ذلك أحمد بن حنبل فقال من وجدت له وصية بخطه عمل بها لكنه قال أيضا إن كتب وصيته وختمها وقال اشهدوا بما فيها لم يصح فجعل أصحابه المسألة على روايتين