وقد ورد الترخيص في الكذب في الحرب رواه الأئمة الخمسة من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس بالكاذب من أصلح بين الناس الحديث وفيه ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث في الحرب والإصلاح الحديث وروى الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل الكذب إلا في ثلاث تحدثة الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب والكذب ليصلح بين الناس وقال محمد بن جرير الطبري إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب فإنه لا يحل وقال النووي الظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب لكن الاقتصار على التعريض أفضل والله أعلم
الخامسة فيه الإشارة إلى استعمال الرأي في الحروب ولا شك في احتياج المحارب إلى الرأي والشجاعة وإن احتياجه إلى الرأي أشد من احتياجه إلى الشجاعة ولهذا اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم هنا على ما يشير إليه فهو كقوله الحج عرفة
والندم توبة وقال الشاعر الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مرة بلغت من العلياء كل مكان
السادسة قال أبو العباس القرطبي بعد تقريره ما تقدم إن معناه الحض على استعمال الخداع في الحرب ولو مرة واحدة ويحتمل أن يكون معناه أن الحرب تتراءى لأخف الناس بالصورة المستحسنة تم تتجلى عن صورة مستقبحة كما قال الشاعر الحرب أول ما تكون فتية تسعى ببزتها لكل جهول وقال الحرب لا تبقي لجماحها النخيل والمراح
وفائدة الحديث على هذا ما قاله في الحديث الآخر لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية انتهى
وهذا احتمال بعيد لأنه يفهم ذم الحرب والحديث إنما سبق في معرض مدحها والتحيل فيها بالمخادعة فإن صح هذا الاحتمال في ذمها فذاك في الفتن والحروب بين المسلمين الناشئة عن التنافس في الدنيا والله أعلم