بربكم قالوا جميعا بلى فأما أهل السعادة فقالوا بلى على معرفة له طوعا من قلوبهم وأما أهل الشقاوة فقالوا بلى كرها لا طوعا قال محمد بن نصر المروزي وسمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى واحتج بقول أبي هريرة اقرءوا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله قال إسحاق يقول لا تبديل لخلقته التي جبل عليها ولد آدم كلهم يعني من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار
قال واحتج له بقوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم الآية قال إسحاق أجمع أهل العلم إنها الأرواح قبل الأجساد واحتج لهذا أيضا بحديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر وأنه طبع كافرا وبحديث عائشة وقوله عليه الصلاة والسلام لها وما يدريك أن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا
قال إسحاق فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم قال ابن عبد البر إن أراد هؤلاء أن الله خلق الأطفال وأخرجهم من بطون أمهاتهم ليعرف منهم العارف ويعترف فيؤمن وينكر منهم المنكر فيكفر كما سبق له القضاء وذلك في حين يصح منهم فيه الإيمان والكفر فذلك ما قلنا وإن أرادوا أن الطفل يولد عارفا مقرا مؤمنا وعارفا جاحدا كافرا في حين ولادته فهذا يكذبه العيان والعقل قال وقول إسحاق في هذا الباب لا يرضاه الحذاق الفهماء من أهل السنة
وإنما هو قول المجبرة
القول الخامس أن معناه ما أخذ الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم من ظهره فخاطبهم ألست بربكم قالوا بلى فأقروا له جميعا بالربوبية عن معرفة منهم به ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة وذلك الإقرار قالوا وليست تلك المعرفة بإيمان ولا ذلك الإقرار بإيمان ولكنه إقرار من الطبيعة للرب فطرة ألزمها قلوبهم ثم أرسل إليهم الرسل فدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية فمنهم من أنكر بعد المعرفة لأنه لم يكن الله ليدعو خلقه إلى الإيمان به وهو لم يعرفهم نفسه رواه أبو داود في سننه عن حماد بن سليم أنه سئل عن هذا الحديث فقال هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم حين قال ألست بربكم قالوا بلى
القول السادس أن المراد بالفطرة ما يقلب الله قلوب الخلق إليه بما يريد فقد يكفر العبد ثم يؤمن فيموت مؤمنا وقد يؤمن ثم يكفر فيموت كافرا وقد يكفر ثم لا يزال على كفره حتى يموت عليه وقد يكون مؤمنا حتى يموت على الإيمان فالفطرة عند هؤلاء ما قدره الله على عباده من أول أحوالهم إلى آخرها سواء كانت حالة واحدة لا تنتقل أو حالا بعد حال قال ابن عبد البر وهذا وإن كان صحيحا في الأصل فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة حكاها كلها ابن عبد البر وغيره
القول السابع أن المراد بالفطرة ملة أبيه أي دينه بمعنى أن له حكمه حكاه القاضي عياض
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام سألت محمد بن الحسن عن هذا الحديث فقال كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض وقبل الأمر بالجهاد قال أبو عبيد كأنه يعني أنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات قبل أن يهوده أبواه أو ينصرانه لم يرثهما ولم يرثاه لأنه مسلم وهما كافران ولما جاز أن يسبى فلما فرضت الفرائض وتقررت السنن على خلاف ذلك علم أنه يولد على دينهما انتهى
وهذا يوافق القول الثاني أن المراد بالفطرة الإسلام لله وجعله منسوخا لما ذكره والحق أنه لا يحتاج فيه إلى دعوى النسخ لأنه وإن كان معناه الولادة على الإسلام فقد أخبر في بقيته أن أبويه يهودانه وينصرانه أي يثبت له حكمهما بطريق التبعية فالحكم بإسلامه هو الباطن ويهوديته أو نصرانيته هو في الظاهر
وقال ابن عبد البر أظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه لإشكاله عليه أو لجهله به أو لكراهة الخوض في ذلك قال وقوله إن ذلك كان قبل الأمر بالجهاد فليس كما قال لأن في حديث الأسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان بعد الأمر بالجهاد وهو حديث صحيح ثم روي عن الأسود بن سريع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال قوم بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان فقال رجل أو ليس أبناؤهم