فهرس الكتاب

الصفحة 1552 من 1871

بربكم قالوا جميعا بلى فأما أهل السعادة فقالوا بلى على معرفة له طوعا من قلوبهم وأما أهل الشقاوة فقالوا بلى كرها لا طوعا قال محمد بن نصر المروزي وسمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى واحتج بقول أبي هريرة اقرءوا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله قال إسحاق يقول لا تبديل لخلقته التي جبل عليها ولد آدم كلهم يعني من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار

قال واحتج له بقوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم الآية قال إسحاق أجمع أهل العلم إنها الأرواح قبل الأجساد واحتج لهذا أيضا بحديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر وأنه طبع كافرا وبحديث عائشة وقوله عليه الصلاة والسلام لها وما يدريك أن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا

قال إسحاق فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم قال ابن عبد البر إن أراد هؤلاء أن الله خلق الأطفال وأخرجهم من بطون أمهاتهم ليعرف منهم العارف ويعترف فيؤمن وينكر منهم المنكر فيكفر كما سبق له القضاء وذلك في حين يصح منهم فيه الإيمان والكفر فذلك ما قلنا وإن أرادوا أن الطفل يولد عارفا مقرا مؤمنا وعارفا جاحدا كافرا في حين ولادته فهذا يكذبه العيان والعقل قال وقول إسحاق في هذا الباب لا يرضاه الحذاق الفهماء من أهل السنة

وإنما هو قول المجبرة

القول الخامس أن معناه ما أخذ الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم من ظهره فخاطبهم ألست بربكم قالوا بلى فأقروا له جميعا بالربوبية عن معرفة منهم به ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة وذلك الإقرار قالوا وليست تلك المعرفة بإيمان ولا ذلك الإقرار بإيمان ولكنه إقرار من الطبيعة للرب فطرة ألزمها قلوبهم ثم أرسل إليهم الرسل فدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية فمنهم من أنكر بعد المعرفة لأنه لم يكن الله ليدعو خلقه إلى الإيمان به وهو لم يعرفهم نفسه رواه أبو داود في سننه عن حماد بن سليم أنه سئل عن هذا الحديث فقال هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم حين قال ألست بربكم قالوا بلى

القول السادس أن المراد بالفطرة ما يقلب الله قلوب الخلق إليه بما يريد فقد يكفر العبد ثم يؤمن فيموت مؤمنا وقد يؤمن ثم يكفر فيموت كافرا وقد يكفر ثم لا يزال على كفره حتى يموت عليه وقد يكون مؤمنا حتى يموت على الإيمان فالفطرة عند هؤلاء ما قدره الله على عباده من أول أحوالهم إلى آخرها سواء كانت حالة واحدة لا تنتقل أو حالا بعد حال قال ابن عبد البر وهذا وإن كان صحيحا في الأصل فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة حكاها كلها ابن عبد البر وغيره

القول السابع أن المراد بالفطرة ملة أبيه أي دينه بمعنى أن له حكمه حكاه القاضي عياض

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام سألت محمد بن الحسن عن هذا الحديث فقال كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض وقبل الأمر بالجهاد قال أبو عبيد كأنه يعني أنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات قبل أن يهوده أبواه أو ينصرانه لم يرثهما ولم يرثاه لأنه مسلم وهما كافران ولما جاز أن يسبى فلما فرضت الفرائض وتقررت السنن على خلاف ذلك علم أنه يولد على دينهما انتهى

وهذا يوافق القول الثاني أن المراد بالفطرة الإسلام لله وجعله منسوخا لما ذكره والحق أنه لا يحتاج فيه إلى دعوى النسخ لأنه وإن كان معناه الولادة على الإسلام فقد أخبر في بقيته أن أبويه يهودانه وينصرانه أي يثبت له حكمهما بطريق التبعية فالحكم بإسلامه هو الباطن ويهوديته أو نصرانيته هو في الظاهر

وقال ابن عبد البر أظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه لإشكاله عليه أو لجهله به أو لكراهة الخوض في ذلك قال وقوله إن ذلك كان قبل الأمر بالجهاد فليس كما قال لأن في حديث الأسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان بعد الأمر بالجهاد وهو حديث صحيح ثم روي عن الأسود بن سريع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال قوم بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان فقال رجل أو ليس أبناؤهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت