إشفاقا على المدعو عليه وتأنيسا له لئلا يلحقه من الخوف والحذر من ذلك ومن تقبل دعائه ما يحمله على اليأس والقنوط وقد تكون سؤالاته لربه فيمن جلده وسبه بوجه حق وعقاب على جرم أن يكون ذلك عقوبة في الدنيا وكفارة لما فعله وتحصنا له عن عقابه عليه في الآخرة كما في الحديث الآخر ومن أصاب شيئا فعوقب به كان له كفارة
الرابعة قال المازري بعد ذكره الجواب الأول فما معنى قوله إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر وهذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب لا على أنها من مقتضى الشرع فبقي السؤال على حاله قيل يحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام أراد أن دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خير بين فعله له عقوبة للجاني وتركه وزجره بأمر آخر فحمله الغضب لله تعالى على أحد الأمرين المتخير فيهما وهو سبه أو لعنه أو جلده ونحو ذلك وليس ذلك خارجا عن حكم الشرع
الخامسة قوله عليه الصلاة والسلام اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه معناه أنه طلب ذلك من الله تعالى فأجاب دعاءه وحقق طلبته وعن هذا عبر بقوله في الرواية الأخرى شرطت على ربي أي دعائي المجاب فالله تعالى لا يشترط عليه شرط ولا يجب عليه لأحد حق بل ذلك كله منه على سبيل الفضل والكرم والإكرام لأوليائه
السادسة وفيه بيان ما اتصف به عليه الصلاة والسلام من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم
السابعة استدل به المصنف على أن الحاكم يعتمد الظاهر حتى في الحدود فإذا قامت بينة مقبولة بما يقتضي حدا أقامه فلا حرج عليه ولا إثم إذا كانت البينة كاذبة في نفس الأمر إذا لم يعلم هو بكذبها ولم يتحقق خلاف ما شهدت به لأن القاضي لا يقضي على خلاف علمه كما قد حكى الإجماع على ذلك وإن اختلفوا في جواز قضائه بعلمه في غير حدود الله تعالى فإن قوله عليه الصلاة والسلام يدخل فيه حد
الحد وجلد التعزير وإنما لا يكون المحدود أهلا للحد إذا كانت البينة عليه بما يقتضي الحد كاذبة في نفس الأمر فأما إذا صدقت فهو أهل للحد وإن كانت له أعمال صالحة وفضائل تجبر ما وقع منه فذلك لا ينفي وقوع الحد موقعه ومع كذب البينة إذا لم يعلم الحاكم كذبها لا يلحق الحاكم من ذلك شيء والله أعلم
الثامنة وفيه جواز لعن العاصي المعين وقد ذكر النووي أن ظواهر الأحاديث تدل على جوازه وإن كان المشهور في المذهب خلافه