القاف واللام أي ارتفع وقد أوضحت ذلك بقولها حتى ما أحس منه قطرة وذلك لاستعظام ما بغتها من الكلام فإن الحزن قد انتهى نهايته وبلغ غايته ولما انتهى الأمر إلى ذلك جف الدمع وأنشدوا على ذلك عيني شحا أو لا تشحا جل مصابي عن الدواء أن الأسى والبكا جميعا ضدان كالداء والدواء
الثانية والخمسون قولها لأبويها أجيبا عني فيه تفويض الكلام إلى الكبار لأنهم أعرف بمقاصده واللائق بالمواطن منه وأبواها يعرفان حالها وأما قول أبويها لا ندري ما نقول فمعناه أن الأمر الذي سألتهما عنه لا يقفان منه على زائد على ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي من حسن الظن بها والسرائر إلى الله تعالى وروينا من طريق عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في قصة الإفك أن أبا بكر رضي الله عنه قال يا بنية وكيف أعذرك بما لا أعلم وأي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت ما لا أعلم
وروى أبو بكر البزار في مسنده بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أنها لما أنزل عذرها قبل أبو بكر رأسها فقالت ألا عذرتني فقال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم
الثالثة والخمسون فيه جواز الاستشهاد بآيات القرآن العزيز لقولها ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف جميل والله المستعان على ما تصفون ولا خلاف في جوازه وكذا في روايتنا صبر جميل بدون فاء مع أن لفظ القرآن بالفاء وهو كقوله عليه الصلاة والسلام الآية الفاذة الجامعة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره قالوا ولا امتناع في ذلك لأن حرف العطف في حكم الانفصال فإنه كلمة مفردة وقوله صبر جميل خبر مبتدأ مخذوف تقديره أمري أو صبري أو نحو ذلك
الرابعة والخمسون قولها ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عز وجل في بأمر يتلى قال أبو العباس القرطبي فيه دليل على أن الذي يتعين على أهل الفضل والعلم والعبادة والمنزلة احتقار أنفسهم وترك الالتفات إلى أعمالهم وأحوالهم وتحوير النظر إلى لطف الله وعفوه ورحمته وكرمه وقد اغتر كثير من الجهال بالأعمال فلاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات وإجابة الدعوات وزعموا أنهم ممن يتبرك بلقائهم ويغتنم صالح دعائهم وأنه يجب احترامهم وتعظيمهم ويرون أن لهم من المكانة عند الله بحيث ينتقم لهم ممن ينتقصهم في الحال وأن يأخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال وهذه كلها نتائج الجهل
الخامسة والخمسون قولها ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه أي ما فارقه يقال رامه