بالدين فأما الهجران لمصلحة دينية من معصية أو بدعة فلا منع منه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجران كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهم قال ابن عبد البر وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت له منه بدعة أو فاحشة يرجو أن يكون هجرانه تأديبا له وزجرا عنها وقال أبو العباس القرطبي فأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا وقال ابن عبد البر أيضا أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه فإن كان كذلك رخص له في مجانبته ورب صرم جميل خير من مخالطة مؤذية وقال الخطابي فأما هجران الوالد الولد والزوج الزوجة ومن كان في معناهما فلا يضيق أكثر من ثلاث وقد هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا
الثامنة عشرة قال مالك والشافعي والجمهور وتزول الهجرة بمجرد سلامه عليه وهو ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام وخيرهما الذي يبدأ بالسلام وقال أحمد بن حنبل لا يزول بمجرد ذلك بل لا بد أن يعود معه إلى الحال التي كان عليها من الكلام والإقبال وقال ابن القاسم وأحمد بن حنبل إن كان يؤذيه لم يقطع السلام هجرته قال القاضي عياض وعندنا أنه إذا اعتزل كلامه لم تقبل شهادته عليه وإن سلم عليه وقال النووي قال أصحابنا ولو كاتبه أو راسله عند غيبته عنه هل يزول إثم الهجرة فيه وجهان أحدهما أنه لم يكلمه وأصحهما يزول لزوال تلك الوحشة
التاسعة عشرة قال النووي قوله لا يحل لمسلم قد يحتج به من يقول الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة والأصح أنهم مخاطبون بها وإنما قيد بالمسلم لأنه الذي يقبل خطاب الشرع وينتفع به
العشرون قوله أن يهجر أخاه يدل على أن له هجران الكافر وهو كذلك فإنه لا موالاة ولا مناصرة بينه وبينه
الحادية والعشرون أورد المصنف رحمه الله هذين الحديثين هنا للاستدلال بهما على أن من خالف ذلك واتصف بغيره من هذه الأوصاف كانت شهادته مردودة إما مطلقا وإما على من عاداه وأبغضه وهذا الاستدلال يحتاج معه إلى ضميمة أخرى وهي أن مرتكب المنهي عنه مردود الشهادة إما مطلقا وإما مع ضميمة الإصرار وكون ذلك المنهي عنه كبيرة واقتدى المصنف رحمه الله في ذلك بأصحابنا الشافعية حيث عدوا الكبائر والصغائر في كتاب الشهادات