نصا وقد يحتمل أن يجري في تعليله على هذا الأسلوب فيقال إن القاعد قد يتوقع شرا من الوارد عليه أو يوجس في نفسه خيفة فإذا ابتدأه بالسلام أنس إليه ولأن التصرف والتردد في الحاجات الدنيوية وامتهان النفس فيها ينقص من مرتبة المتماوتين الآخذين بالعذلة تورعا فصار للقاعدين من المزية في باب الدين فلهذا أمر ببداءتهم أو لأن القاعد يشق عليه مراعاة المارين مع كثرتهم والتشوف إليهم فسقطت البداءة عنه وأمر بها المار لعدم المشقة عليه
وهذب أبو العباس القرطبي هذه المعاني المذكورة مع اختصار فقال وأما الماشي فقد قيل فيه مثل ذلك أي مثل ما قيل في الراكب من علو مرتبته وأنه أبعد له عن الزهو قال وفيه بعد إذ الماشي لا يزهو بمشيه غالبا وقيل هو معلل بأن القاعد قد يقع له خوف من الماشي فإذا بدأه بالسلام أمن ذلك وهذا أيضا بعيد إذ لا خصوصية للخوف بالقاعد فقد يخاف الماشي من القاعد وأشبه من هذا أن يقال إن القاعد على حال وقار وسكون وثبوت فله بذلك مزية على الماشي لأن على العكس من ذلك انتهى
وأما تسليم القليل على الكثير فقد قال المازري يحتمل أن يكون أيضا الفضيلة للجماعة ولهذا قال الشرع عليكم بالسواد الأعظم
ويد الله مع الجماعة فأمر ببداءتهم لفضلهم أو لأن الجماعة إذا بدءوا الواحد خيف عليه الكبر والزهو فاحتيط له بأن لا يبدأ ويحتمل غير ذلك لكن ما ذكرناه هو الذي يليق بما قدمناه عنهم من التعليل انتهى
وأما تسليم الصغير على الكبير فلم يذكره مسلم في صحيحه وهو عند البخاري كما تقدم وسببه أنه إجلال من الصغير للكبير وتعظيم له لأن السن الحاصل في الإسلام مرعي في الشرع يحصل به التقديم في أمور كثيرة معروفة والله أعلم
وقال القاضي أبو بكر بن العربي لا حاجة إلى الأخذ في حكمته وعارضت الحال أن المفضول بنوع من الفضائل قد يبدأ الفاضل به وقال المازري بعد ذكره ما قدمناه عنه ولا تحسن معارضة مثل هذه التعاليل بآحاد مسائل شذت عنها لأن التعليل الكلي لا يطلب فيه أن لا يشذ عنه بعض الجزئيات وقال أبو العباس القرطبي هذه المعاني التي تكلف العلماء إبرازها هي حكم يناسب المصالح المحسنة والمكملة ولا نقول إنها نصبت نصب العلل الواجبة الاعتبار حتى لا يجوز أن يعدل عنها فنقول إن ابتداء القاعد للماشي لا يجوز وكذلك ابتداء الماشي الراكب بل يجوز ذلك لأنه مظهر للسلام ومفش له كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله أفشوا السلام بينكم وبقوله إذا لقيت أخاك فسلم عليه
وإذا تقرر هذا فكل من الماشي