والقاعد مأمور بأن يسلم على أخيه إذا لقيه غير أن مراعاة تلك المراتب أولى والله أعلم
قلت متى تمكن المأمور من هذه الأحاديث بالابتداء منه فلم يبتدئ كان تاركا للسنة وأما الآخر فلا حرج عليه في المبادرة لأن الأمر بالابتداء لم يتوجه إليه وقد بادر إلى فعل خير
الثالثة قوله ليسلم الصغير على الكبير صريح في الأمر وتبين به أن قوله في رواية الصحيحين وغيرهما يسلم لفظه خبر ومعناه الأمر كقوله تعالى والوالدات يرضعن وهو أمر استحباب قال النووي هذا كله للاستحباب فلو عكس جاز وكان خلاف الأفضل قلت الظاهر أن الواقع في مخالفة الأفضل إنما هو المأمور بالابتداء دون الآخر كما قدمته والله أعلم
الرابعة الظاهر أن المراد الصغر في السن وقد يراد الصغر في القدر فقد يتميز صغير السن على كبيره بأمور ترجحه عليه وقد يقال المراد صغر السن وأما صغر القدر فملحق به وحينئذ فلو تعارضا قدم صغر السن المنصوص على صغر القدر المقيس والمراد السن الحاصل في الإسلام كما اعتبره الفقهاء في التقديم للإمامة في الصلاة بكبر السن قال المازري وإذا تلاقى رجلان كلاهما مار في الطريق بدأ الأدنى منهما الأفضل إجلالا للفضل وتعظيما للخير لأن فضيلة الدين مرعية في الشرع مقدمة
الخامسة هل يستوي الراكبان أو يراعى علو أحدهما فيسلم حينئذ راكب الجمل على راكب الفرس وراكب الفرس على راكب الحمار لم أر لأحد لذلك تعرضا والظاهر أن مثل ذلك لا يعتبر وقد يكون أحد المركوبين أعلا من الآخر مع استواء جنسهما ولا شك في أن ذلك غير منظور إليه والله أعلم
السادسة فلو تساوى المتلاقيان في الأمور المنصوص عليها في الحديث كان كل منهما محثوثا على المبادرة للابتداء بالسلام لقوله عليه الصلاة والسلام وخيرهما الذي يبدأ بالسلام وقال أبو العباس القرطبي الناس في الابتداء بالسلام إما أن تتساوى أحوالهم أو تتفاوت فإن تساوت فخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام غير أن الأولى مبادرة ذوي المراتب الدينية كأهل العلم والفضل احتراما لهم وتوقيرا وأما ذوو المراتب الدنيوية المحضة فإن سلموا رد عليهم وإن ظهر عليهم إعجاب أو كبر فلا يسلم عليهم لأن ذلك معونة لهم على المعصية وإن لم يظهر ذلك عليهم جاز أن يبدءوا بالسلام وابتداؤهم بالسلام أولى بهم لأن ذلك يدل على تواضعهم انتهى
وما ذكره فيما إذا ظهر عليهم إعجاب أن يترك الرد محتمل وقد يقال بل الأولى السلام عليهم إقامة لمشروعية الإسلام وإرغاما لهم والمعصية بترك الرد هي منهم لا مدخل لنا فيها ونظير هذين الاحتمالين ما ذكره الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإلمام في