فهرس الكتاب

الصفحة 1840 من 1871

بهذا في الرواية الأخرى فذكر الرواية المذكورة وقال فهذه الرواية مصرحة ببيان المراد بالتقدير ولا يجوز أن يراد به حقيقة القدر فإن علم الله تعالى وما قدره على عباده وأراده من خلقه أزلي لا أول له ولم يزل سبحانه مريدا لما أراده من خلقه من طاعة ومعصية وخير وشر انتهى

وكان شيخنا الإمام أبو حفص البلقيني رحمه الله يقول إن المراد إظهار ذلك عن تصوير آدم طينا واستمر آدم متجدلا في طينته أربعين سنة فكان ظهور هذا قبل خلق آدم بأربعين سنة والمراد بخلقه نفخ الروح فيه وقد ذكر أهل التاريخ أن مدة مكث آدم طينا بين تصويره ونفخ الروح فيه أربعون عاما وهو موافق لهذا والله أعلم

فإن قلت ما معنى حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وهو في الصحيح قلت هو تحديد للكتاب لا للتقدير فإن التقدير قديم لا أول له كما تقدم وهذه كتابة قبل الكتابة المذكورة في حديث الباب قال القاضي عياض وقد يكون ذكر الخمسين ألفا أنها حقيقة على ظاهرها وقد يكون تمثيلا للكثير كما قيل في قوله تعالى إلى مائة ألف أو يزيدون قلت ولا يقوم على التكثير دليل والظاهر أن المراد التحديد وقال أبو العباس القرطبي إنه أظهر وأولى قال وهذه الخمسون ألف سنة سنون تقديرية إذ قبل وجود السموات والأرض لا يتحقق وجود الأزمان فإن الزمان الذي يعبر عنه بالسنين وبالأيام والليالي إنما هو راجع إلى أعداد حركات الأفلاك وسير الشمس والقمر في المنازل والبروج السماوية فقبل السموات والأرض لا يوجد ذلك وإنما يرجع ذلك إلى مدة في علم الله تعالى لو كانت السموات موجودة فيها لعدت بذلك العدد والله أعلم

الثامنة قال الخطابي في معالم السنن قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء منه معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره ويتوهم أن فلج آدم في الحجة على موسى إنما كان من هذا الوجه وليس الأمر في ذلك على ما يتوهمونه وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر كما أن الهدم والقبض والنشر أسماء لما صدر عن فعل الهادم والقابض والناشر يقال قدرت الشيء وقدرته خفيفة وثقيلة بمعنى واحد والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله عز وجل فقضاهن سبع سموات في يومين أي خلقهن وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله سبحانه فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت