فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بهذا في الرواية الأخرى فذكر الرواية المذكورة وقال فهذه الرواية مصرحة ببيان المراد بالتقدير ولا يجوز أن يراد به حقيقة القدر فإن علم الله تعالى وما قدره على عباده وأراده من خلقه أزلي لا أول له ولم يزل سبحانه مريدا لما أراده من خلقه من طاعة ومعصية وخير وشر انتهى
وكان شيخنا الإمام أبو حفص البلقيني رحمه الله يقول إن المراد إظهار ذلك عن تصوير آدم طينا واستمر آدم متجدلا في طينته أربعين سنة فكان ظهور هذا قبل خلق آدم بأربعين سنة والمراد بخلقه نفخ الروح فيه وقد ذكر أهل التاريخ أن مدة مكث آدم طينا بين تصويره ونفخ الروح فيه أربعون عاما وهو موافق لهذا والله أعلم
فإن قلت ما معنى حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وهو في الصحيح قلت هو تحديد للكتاب لا للتقدير فإن التقدير قديم لا أول له كما تقدم وهذه كتابة قبل الكتابة المذكورة في حديث الباب قال القاضي عياض وقد يكون ذكر الخمسين ألفا أنها حقيقة على ظاهرها وقد يكون تمثيلا للكثير كما قيل في قوله تعالى إلى مائة ألف أو يزيدون قلت ولا يقوم على التكثير دليل والظاهر أن المراد التحديد وقال أبو العباس القرطبي إنه أظهر وأولى قال وهذه الخمسون ألف سنة سنون تقديرية إذ قبل وجود السموات والأرض لا يتحقق وجود الأزمان فإن الزمان الذي يعبر عنه بالسنين وبالأيام والليالي إنما هو راجع إلى أعداد حركات الأفلاك وسير الشمس والقمر في المنازل والبروج السماوية فقبل السموات والأرض لا يوجد ذلك وإنما يرجع ذلك إلى مدة في علم الله تعالى لو كانت السموات موجودة فيها لعدت بذلك العدد والله أعلم
الثامنة قال الخطابي في معالم السنن قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء منه معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره ويتوهم أن فلج آدم في الحجة على موسى إنما كان من هذا الوجه وليس الأمر في ذلك على ما يتوهمونه وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر كما أن الهدم والقبض والنشر أسماء لما صدر عن فعل الهادم والقابض والناشر يقال قدرت الشيء وقدرته خفيفة وثقيلة بمعنى واحد والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله عز وجل فقضاهن سبع سموات في يومين أي خلقهن وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله سبحانه فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن