مع بقاء الصحة إلى جواب على أنه يرد على من فسر القبول بكون العبادة مثابا عليها أو مرضية أو ما أشبه ذلك إذا كان مقصوده بذلك أن لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة أن يقال القواعد الشرعية تقتضي أن العبادة إذا أتي بها مطابقة الأمر كانت سببا للثواب والدرجات والظواهر في ذلك لا تحصى انتهى
وقد تضمن كلامه للقبول تفسيرين أحدهما أنه ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء والثاني أنه كون العبادة بحيث يترتب الثواب عليها وإنه يلزم من نفي القبول نفي الصحة بالتفسير الأول ولا يلزم بالتفسير الثاني إلا على البحث الذي ذكره في آخر كلامه
وقال القاضي أبو بكر بن العربي القبول في ألسنة السلف الرضا قبلت الشيء رضيته وأردته والتزمت العوض عنه فقبول الله للعمل هو رضاه به وثوابه عليه وكذا فسر صاحبا المشارق والنهاية القبول بأنه المحبة والرضا وفي الصحاح يقال على فلان قبول إذا قبلته النفس والذي ينبغي أن يقال في اختلاف الأحاديث التي ذكرها وكونها مستوية في نفي القبول فانتفت الصحة معه في بعضها دون بعض أنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة لكنا ننظر في المواضع التي نفي فيها القبول فإن كان ذلك العمل قد اقترنت به معصية علمنا أن عدم قبول ذلك العمل إنما هو لوجود تلك المعصية فمن هذا الوجه كان ذلك العمل غير مرضي لكنه صحيح في نفسه لاجتماع الشروط والأركان فيه وهذا كصلاة العبد الآبق وشارب الخمر وآتي العراف فهؤلاء إنما لم تقبل صلاتهم للمعصية التي ارتكبوها مع صحة صلاتهم وإن لم يقترن بذلك العمل معصية فعدم قبوله إنما هو لفقد شرط من شروطه فهو حينئذ غير صحيح لأن الشرط ما يلزم من عدمه العدم وهذا كصلاة المحدث والمرأة مكشوفة الرأس فإن الحدث وكشف المرأة رأسها حيث لا يراها الرجال الأجانب ليس معصية فعدم قبول هذه العبادة إنما هو لأن ضد الحدث الذي هو الطهارة شرط في صحة الصلاة وكذلك ضد الكشف وهو الستر شرط في صحة الصلاة ففقدت الصحة لفقد شرطها فاعتبر ما ذكرته تجد جميع الأحاديث ماشية عليه من غير خلل ولا اضطراب والله أعلم
الثانية قوله صلاة أحدكم مفرد مضاف فيعم كل صلاة سواء في ذلك الفريضة والنافلة وصلاة الجنازة وهذا أمر مجمع عليه إلا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري أنهما قالا تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة قال النووي وهذا مذهب باطل وأجمع العلماء على خلافه
ونقل القاضي عياض عن بعضهم أن حكم الوضوء حكم ما توضأ له من نافلة أو سنة وأما سجود التلاوة والشكر فإن أدخلناهما في مسمى الصلاة فقد تناولها لفظ الحديث وإن لم ندخلهما في مسمى الصلاة فقد جعل العلماء حكمهما كحكم الصلاة في اشتراط الطهارة وذكر القفال في محاسن الشريعة أن المعنى في ذلك أنهما شعبة من الصلاة وركن من أركانها حتى إن الصلاة تسمى سجودا فقد روي في الخبر إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى