الثانية فيه حجة لمن استحب القنوت في صلاة الصبح وهو قول مالك والشافعي ومحمد بن جرير الطبري إلا أن المالكية حكوا عن مالك فيه روايتين هل هو مستحب أو سنة بناء على قاعدتهم أن ترك السنة عمدا تعاد له الصلاة وحكى محمد بن جرير الطبري الإجماع على أن تركه غير مفسد للصلاة وجعله أصحاب الشافعي من أبعاض الصلاة التي يشرع لتركها سجود السهو وروي عن الحسن البصري أيضا أن في تركه سجود السهو وذهب أبو حنيفة والليث بن سعد ويحيى بن يحيى من المالكية أنه لا قنوت في الفجر ولا في غيرها من الصلوات ولا في الوتر أيضا واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا ثم تركه كما في حديث أنس المذكور في بقية الباب وأجاب من استحبه بأن المراد ترك الدعاء لمن سمى وترك الدعاء على من سماه لا أنه ترك أصل القنوت بدليل الزيادة التي رواها الدارقطني والحاكم والبيهقي فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا وفي إسناده أبو جعفر الرازي وقد اختلفوا فيه فوثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبو حاتم الرازي وقال الفلاس سيئ الحفظ وقال النسائي ليس بالقوي وقد صحح هذا الحديث الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي البجلي وأبو عبد الله الحاكم والدارقطني والبيهقي والنووي وغيرهم وممن قال باستحبابه في الصبح الخلفاء الأربعة رواه البيهقي بإسنادين جيدين
وجاء عنهم أيضا تركه وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقنت وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت ثم قال يا بني إنها بدعة
لفظ رواية النسائي وقال الترمذي إنه حديث حسن صحيح
قال النووي في الخلاصة قال أصحابنا الذين رووا إثبات القنوت أكثر ومعهم زيادة علم فتقدم روايتهم انتهى وبالجملة فمسألة القنوت من مسائل الاختلاف التي تعارضت فيها الأدلة وأفردها الناس بالتصنيف فصنف ابن منده تصنيفا في إنكاره وأنه بدعة وصنف الحافظ أبو عبد الله الحاكم تصنيفا في استحبابه وأنه سنة والأدلة متعادلة ومن أثبت مقدم على من نفى والله أعلم
وذهب أحمد وإسحاق إلى أنه لا يقنت في الفجر إلا عند نازلة تنزل بالمسلمين ولم ير ابن المبارك القنوت في الفجر وقال الثوري إن قنت في الفجر فحسن وإن لم يقنت فحسن واختار ألا يقنت وحكى الترمذي في الجامع أن العمل عند أكثر أهل العلم على حديث أبي مالك الأشجعي
الثالثة اقتصر سعيد بن المسيب في روايته لهذا الحديث عن أبي هريرة على القنوت في الصبح ورواه الشيخان من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة فقال العشاء بدل الصبح واتفقا عليه