ثالثها قال ابن حزم الظاهري ليس فيه أن الناس غير أبي بكر كانوا قياما فلعلهم كانوا قعودا بل الظن بهم ذلك امتثالا لأمره المتقدم فلا يحل أن يظن بالصحابة مخالفة أمره هذا معنى كلامه قال وفي نص الحديث دليل بين على أنهم لم يصلوا إلا قعودا لأن فيه أن الناس كانوا يقتدون بصلاة أبي بكر ولو كانوا قياما لما اقتدى بصلاته إلا الصف الأول لأن بقية الصفوف يحجبهم عنه الصف الأول قال ثم لو كان في هذا الحديث نص أنهم صلوا قياما وهذا لا يوجد أبدا لما كان فيه دليل على النسخ بل هو إباحة فقط وبيان أن ذلك الأمر المتقدم ندب انتهى
وفيه نظر من أوجه أحدها أن جميع الصحابة الذين كانوا مع أبي بكر رضي الله عنهم كانوا في أول صلاتهم قبل خروج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قياما بلا شك فمن زعم تغييرهم عن هذه الحالة فهو محتاج إلى دليل على ذلك بل الظاهر أنه لو وقع انتقالهم من القيام إلى القعود لنقل
الثاني أنه قد ثبت صلاة القائم خلف الجالس بالتصريح بقيام أبي بكر رضي الله عنه خلف النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس وهذا كاف في الاستدلال بقيام المؤتم خلف الإمام الجالس لعذر ولا وجه لتخصيص أبي بكر بجواز القيام له وحده فالأصل استواء المكلفين في الأحكام إلى أن يرد نص دال على التخصيص
الثالث أنه ورد التصريح بقيام الجميع خلفه ذكره الشافعي رحمه الله عقب حديثه عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة كما رواه البيهقي في المعرفة قال أخبرنا أبو عبد الله قال أخبرنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال وذكر إبراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مثل معنى حديث عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قاعدا وأبو بكر قائما يصلي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهم وراءه قيام فذكر الشافعي رواية إبراهيم النخعي هذه بصيغة الجزم وفيها التصريح بقيام المأمومين ولا يستجيز الشافعي ذكره بالجزم إلا مع صحة إسناده عنده والله أعلم
الرابع استدلاله على قعودهم بأنهم لو كانوا قياما لما اقتدى به إلا الصف الأول ضعيف لأن الصف الأول مشاهد للنبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى الاقتداء بأبي بكر وأما بقية الصفوف فإنما يقتدون بصوت أبي بكر لا بمشاهدته وقد تقدم ذلك في قول الشافعي رحمه الله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا ضعيف الصوت وكان أبو بكر قائما يرى ويسمع انتهى أي يراه البعض ويسمعه البعض وفي صحيح البخاري عن عائشة وأبو بكر يسمع الناس التكبير وفي صحيح مسلم عن جابر وأبو بكر يسمع الناس تكبيره