فهرس الكتاب

الصفحة 585 من 1871

جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ما يعارضه لأنه إذا كان له الجمع نازلا غير سائر فالذي يجد به السير أحرى بذلك وإنما يتعارضان لو كان في أحدهما أنه قال لا يجمع المسافر بين الصلاتين إلا أن يجد به السير وفي الآخر أنه جمع نازلا غير سائر فإما أن يجمع وقد جد به السير ويجمع وهو نازل لم يجد به السير فليس هذا بمتعارض عند أحد له فهم قال وقد أجمع المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة فكل ما اختلفت فيه من مثله فمردود إليه وروى مالك عن ابن شهاب أنه قال سألت سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر فقال نعم لا بأس بذلك ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة فهذا سالم قد نزع بما ذكرنا وهو أصل صحيح لمن ألهم رشده ولم تمل به العصبية إلى المعاندة انتهى

وحكى أبو العباس القرطبي عدم اشتراط الجد في السفر عن جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء المحدثين وأهل الظاهر

القول الثالث كالذي قبله في الاختصاص بحالة الجد في السفر لكن لا يختص ذلك بأن يكون سبب الجد خوف فوات أمر أو إدراك مهم بل كان الجد لمجرد قطع المسافة كان الحكم كذلك وهذا قول جماعة من المالكية كما تقدم وفي مصنف ابن أبي شيبة قوله تعالى عن أسامة بن زيد أنه كان إذا عجل به السير جمع بين الصلاتين وعن سالم بن عبد الله بن عمر أنه سئل عن الجمع بين الصلاتين في السفر فقال لا إلا أن تعجلني سير وحكى ابن عبد البر عن الليث بن سعد أنه لا يجمع إلا من جد به السير وقال أبو بكر بن العربي إن قول ابن حبيب هذا هو قول الشافعي لأن السفر نفسه إنما هو لقطع الطريق انتهى وفيما قاله نظر فإن الماكث في المنزلة ليس قاطعا للطريق وكذلك من هو سائر إلا أنه لا استعجال به بل هو يسير على هينته فهو أن يجوز الشافعي لهما الجمع ولا يجوزه لهما ابن حبيب ومن قال بقوله ولعل صاحب هذا القول أسعد بحديث ابن عمر من القول الذي قبله فإن الذي في حديث ابن عمر اعتبار الجد في السفر من غير سبب مخصوص لذلك ولا يقال إنما يكون الجد لخوف فوات أمر أو إدراك مهم فقد يكون الجد لمجرد قطع المسافة والاستراحة من متاعب السفر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله لكن زاد حديث معاذ على ذلك ببيان الجمع في زمن الإقامة التي لا تقطع اسم السفر فوجب الأخذ به كما تقدم والله أعلم

القول الرابع أنه لا يجمع بين الصلاتين إلا من عذر رواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وحكاه ابن عبد البر عن الأوزاعي وقال لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع قال وعن الثوري نحو هذا وعنه أيضا ما يدل على الجواز وإن لم يجد السير انتهى وفي مصنف ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد ما أرى أن يجمع بين الصلاتين إلا من أمر فجعل صاحب هذا القول الجد في السير مثالا للعذر والاعتبار بالعذر بأي وجه كان ويقول الجمهور السفر نفسه عذر ومظنة للرخصة فنيط الحكم بمجرده والله أعلم

القول الخامس منع الجمع بعذر السفر مطلقا وإنما يجوز للنسك بعرفة ومزدلفة وهذا قول الحنفية بل زاد أبو حنيفة على صاحبيه وقال لا يجمع للنسك إلا إذا صلى في الجماعة فإن صلى منفردا صلى كل صلاة في وقتها وقال أبو يوسف ومحمد المنفرد في ذلك كالمصلي جماعة وحكى ابن قدامة في المغني هذا عن رواية ابن القاسم عن مالك واختياره وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن إبراهيم النخعي قال كان الأسود وأصحابه ينزلون عند وقت كل صلاة في السفر فيصلون المغرب لوقتها ثم يتعشون ثم يمكثون ساعة ثم يصلون العشاء وعن الحسن وابن سيرين أنهما قالا ما نعلم من السنة الجمع بين الصلاتين في حضر ولا سفر إلا بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بجمع وعن عمر وأبي موسى أنهما قالا الجمع بين الصلاتين بغير عذر من الكبائر وروي هذا مرفوعا من حديث ابن عباس رواه الترمذي وهو ضعيف وأجاب هؤلاء عن أحاديث الجمع بأن المراد بها أن يصلي الأولى في آخر وقتها والأخرى في أول وقتها وهذا مردود بوجهين أحدهما أنه وردت الروايات مصرحة بالجمع في وقت إحداهما فمنها ما تقدم من صحيح مسلم من حديث ابن عمر جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ومنها قوله في حديث أنس أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما وحديث معاذ صريح في جمعي التقديم والتأخير في الظهر والعصر وفي المغرب والعشاء وهذه الأحاديث لا يمكن معها التأويل الذي ذكروه

الثاني أن الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقا وأعظم حرجا من الإتيان بكل صلاة في وقتها لأن الإتيان بكل صلاة في وقتها أوسع من مراعاة طرفي الوقتين بحيث لا يبقى من وقت الأولى إلا قدر فعلها ومن تدبر هذا وجده واضحا كما وصفنا ثم لو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب والعشاء والصبح ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك والعمل بالأحاديث على الوجه السابق إلى الفهم منها أولى من هذا التكلف الذي لا حاجة إليه واحتج هؤلاء بما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قط صلاة لغير وقتها إلا المغرب والصبح بالمزدلفة فإنه أخر المغرب حتى جمعها مع العشاء وصلى الصبح قبل الفجر وقالوا إن مواقيت الصلاة تثبت بالتواتر فلا يجوز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت