جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ما يعارضه لأنه إذا كان له الجمع نازلا غير سائر فالذي يجد به السير أحرى بذلك وإنما يتعارضان لو كان في أحدهما أنه قال لا يجمع المسافر بين الصلاتين إلا أن يجد به السير وفي الآخر أنه جمع نازلا غير سائر فإما أن يجمع وقد جد به السير ويجمع وهو نازل لم يجد به السير فليس هذا بمتعارض عند أحد له فهم قال وقد أجمع المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة فكل ما اختلفت فيه من مثله فمردود إليه وروى مالك عن ابن شهاب أنه قال سألت سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر فقال نعم لا بأس بذلك ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة فهذا سالم قد نزع بما ذكرنا وهو أصل صحيح لمن ألهم رشده ولم تمل به العصبية إلى المعاندة انتهى
وحكى أبو العباس القرطبي عدم اشتراط الجد في السفر عن جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء المحدثين وأهل الظاهر
القول الثالث كالذي قبله في الاختصاص بحالة الجد في السفر لكن لا يختص ذلك بأن يكون سبب الجد خوف فوات أمر أو إدراك مهم بل كان الجد لمجرد قطع المسافة كان الحكم كذلك وهذا قول جماعة من المالكية كما تقدم وفي مصنف ابن أبي شيبة قوله تعالى عن أسامة بن زيد أنه كان إذا عجل به السير جمع بين الصلاتين وعن سالم بن عبد الله بن عمر أنه سئل عن الجمع بين الصلاتين في السفر فقال لا إلا أن تعجلني سير وحكى ابن عبد البر عن الليث بن سعد أنه لا يجمع إلا من جد به السير وقال أبو بكر بن العربي إن قول ابن حبيب هذا هو قول الشافعي لأن السفر نفسه إنما هو لقطع الطريق انتهى وفيما قاله نظر فإن الماكث في المنزلة ليس قاطعا للطريق وكذلك من هو سائر إلا أنه لا استعجال به بل هو يسير على هينته فهو أن يجوز الشافعي لهما الجمع ولا يجوزه لهما ابن حبيب ومن قال بقوله ولعل صاحب هذا القول أسعد بحديث ابن عمر من القول الذي قبله فإن الذي في حديث ابن عمر اعتبار الجد في السفر من غير سبب مخصوص لذلك ولا يقال إنما يكون الجد لخوف فوات أمر أو إدراك مهم فقد يكون الجد لمجرد قطع المسافة والاستراحة من متاعب السفر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله لكن زاد حديث معاذ على ذلك ببيان الجمع في زمن الإقامة التي لا تقطع اسم السفر فوجب الأخذ به كما تقدم والله أعلم
القول الرابع أنه لا يجمع بين الصلاتين إلا من عذر رواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وحكاه ابن عبد البر عن الأوزاعي وقال لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع قال وعن الثوري نحو هذا وعنه أيضا ما يدل على الجواز وإن لم يجد السير انتهى وفي مصنف ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد ما أرى أن يجمع بين الصلاتين إلا من أمر فجعل صاحب هذا القول الجد في السير مثالا للعذر والاعتبار بالعذر بأي وجه كان ويقول الجمهور السفر نفسه عذر ومظنة للرخصة فنيط الحكم بمجرده والله أعلم
القول الخامس منع الجمع بعذر السفر مطلقا وإنما يجوز للنسك بعرفة ومزدلفة وهذا قول الحنفية بل زاد أبو حنيفة على صاحبيه وقال لا يجمع للنسك إلا إذا صلى في الجماعة فإن صلى منفردا صلى كل صلاة في وقتها وقال أبو يوسف ومحمد المنفرد في ذلك كالمصلي جماعة وحكى ابن قدامة في المغني هذا عن رواية ابن القاسم عن مالك واختياره وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن إبراهيم النخعي قال كان الأسود وأصحابه ينزلون عند وقت كل صلاة في السفر فيصلون المغرب لوقتها ثم يتعشون ثم يمكثون ساعة ثم يصلون العشاء وعن الحسن وابن سيرين أنهما قالا ما نعلم من السنة الجمع بين الصلاتين في حضر ولا سفر إلا بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بجمع وعن عمر وأبي موسى أنهما قالا الجمع بين الصلاتين بغير عذر من الكبائر وروي هذا مرفوعا من حديث ابن عباس رواه الترمذي وهو ضعيف وأجاب هؤلاء عن أحاديث الجمع بأن المراد بها أن يصلي الأولى في آخر وقتها والأخرى في أول وقتها وهذا مردود بوجهين أحدهما أنه وردت الروايات مصرحة بالجمع في وقت إحداهما فمنها ما تقدم من صحيح مسلم من حديث ابن عمر جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ومنها قوله في حديث أنس أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما وحديث معاذ صريح في جمعي التقديم والتأخير في الظهر والعصر وفي المغرب والعشاء وهذه الأحاديث لا يمكن معها التأويل الذي ذكروه
الثاني أن الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقا وأعظم حرجا من الإتيان بكل صلاة في وقتها لأن الإتيان بكل صلاة في وقتها أوسع من مراعاة طرفي الوقتين بحيث لا يبقى من وقت الأولى إلا قدر فعلها ومن تدبر هذا وجده واضحا كما وصفنا ثم لو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب والعشاء والصبح ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك والعمل بالأحاديث على الوجه السابق إلى الفهم منها أولى من هذا التكلف الذي لا حاجة إليه واحتج هؤلاء بما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قط صلاة لغير وقتها إلا المغرب والصبح بالمزدلفة فإنه أخر المغرب حتى جمعها مع العشاء وصلى الصبح قبل الفجر وقالوا إن مواقيت الصلاة تثبت بالتواتر فلا يجوز