الصلاة كانت قبل التحريم بلا شك فهي صحيحة لا يجب على فاعلها إعادة من غير خلاف وليست في محل النزاع حتى يستدل بها لأحد القولين ثم في كلامه خلل آخر وهو قوله ومن أجاز الصلاة فيه ولا أحد ممن يعتد به يجيز الصلاة فيه الآن مطلقا وغايته أنه يصححها لو وقعت فكان حقه أن يقول ومن صحح الصلاة فيه أو من لم يوجب إعادة الصلاة فيه هذا مع أن الكلام من أصله فاسد في غير موضعه وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم إنما نزعه لكونه من زي الأعاجم من غير أن يكون حرم ذلك الوقت فهو أبعد من الإعادة فالحاصل أن صلاته عليه الصلاة والسلام في الثوب الحرير دال على جوازه ونزعه محتمل للتحريم ولغير التحريم فإن قلت قول المصنف في تبويبه النهي عن الصلاة في الحرير يقتضي ورود نهي خاص عن لبسه في حالة الصلاة وقد قررتم أن النهي عن لبسه غير مقيد حالة الصلاة قلت لا يلزم أن يكون فيه نهي خاص بل إذا ورد النهي من غير تقييد بحالة وقلنا إن العام في الأشخاص عام في الأحوال فلنا أن نستدل بالنهي في كل حالة لتناوله لها وإنما قيد المصنف بحالة الصلاة ليكون التبويب ملائما لما هو فيه من أمر الصلاة ولو أهمل هذا القيد لكان تبويبا أجنبيا عن الصلاة وكان حقه حينئذ إيراده في اللباس فإن قلت أي نهي في هذا الحديث قلت مجموع ما وقع من النزع العنيف وإظهار الكراهة وقوله لا ينبغي هذا للمتقين في معنى النهي في الدلالة على التحريم كما سنذكره فأقيم مقام النهي في إطلاق اسمه عليه والله أعلم
السادسة قوله ثم نزعه نزعا عنيفا أي بشدة وقوة ومبادرة لذلك لا برفق وتأن على عادته في الأمور وذلك يدل على أنه طرأ تحريمه وأكد ذلك بقوله كالكاره له وقوله عليه الصلاة والسلام لا ينبغي هذا للمتقين أي للمؤمنين فإنهم هم الذين خافوا الله تعالى واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له كذا قال أبو العباس القرطبي وقد يقال هذا من خطاب التهييج لأن فيه إشعارا بأنه لا يلبسه ويستخف بأمره إلا غير المتقين فيفر المرء من لبسه خشية أن يقال إنه غير متق لله تعالى ففيه تهييج المكلف على امتثال ذلك والأخذ به وحمل التقوى على تقوى الكفر خاصة بعيد بل الظاهر حمله على مطلق التقوى بالتقرير الذي ذكرته وهذا دال على تحريم لبس الحرير على الرجال وأما النساء فلا يدخلن في هذا لأن اللفظ غير متناول لهن على الراجح في الأصول فلا يقال في حقهن إلا المتقيات ودخولهن بتغليب لفظ الرجال عليهن مجاز صد عنه ورود الأحاديث الصريحة في تحريمه على الرجال وإباحته للنساء وأخذ بذلك جمهور العلماء من السلف والخلف وحكي الإجماع عليه لكن حكى القاضي عياض وغيره عن قوم إباحته للرجال والنساء وعن عبد الله بن الزبير تحريمه على الفريقين قال النووي ثم انعقد الإجماع على إباحته للنساء وتحريمه على الرجال