فهرس الكتاب

الصفحة 701 من 1871

قد ضعفت قوتي وكبرت سني وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مقصر فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض رحمه الله وقال وليس فيه أن ذلك لخوف فتنة قلت بل ظاهره أنه لخوف فتنة في الدين فإنه خائف لضعف قوته وانتشار رعيته وكثرتهم أن يقع تضييع منه لأمورهم وتقصير في القيام بحقوقهم فلما خشى هذه الفتنة دعا بالموت قال والدي رحمه الله

وقد جاء تمني الموت عن جماعة من السلف خوفا من إظهار أحوالهم التي بينهم وبين الله تعالى لا يحبون اطلاع الخلق عليها قلت الظاهر أن ذلك لخوف الفتنة في الدين أيضا خشوا من ظهور أعمالهم وأحوالهم وخروجها من السر إلى العلانية تطرق المفسدات إليها من الرياء والإعجاب وكانوا في راحة بالاختفاء فطلبوا الموت خوفا من مفسدة الظهور فإن قلت دعا السيد يوسف الصديق بالموت في قوله توفني مسلما وألحقني بالصالحين قال قتادة لم يتمن الموت أحد إلا يوسف رضي الله عنه حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربه قلت المختار في تفسير تلك الآية أن مراده توفني عند حضور أجلي مسلما وليس مراده استعجال الموت وبتقدير حملها على الدعاء بالموت فقد اختلف أهل الأصول في أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا وبتقدير أن يكون شرعا لنا فشرطه أن لا يرد في شرعنا ما ينسخه وقد ورد في شرعنا نسخه في هذا الحديث فإن قلت فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالموت حيث قال في آخر مرض موته اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى وقد أورده البخاري في صحيحه في باب تمني المريض الموت قلت ليس هذا دعاء بالموت وإنما هو رضى به عند مجيئه فإن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يقبضون عند انتهاء آجالهم حتى يخيروا إكراما لهم وتعظيما لشأنهم ولن يختاروا لأنفسهم إلا ما يختاره الله لهم فلما خير النبي صلى الله عليه وسلم عند انتهاء أجله اختار ما اختاره الله له ورضي بالموت وأحبه وطلبه بعد التخيير لا ابتداء وقد قال في الحديث ولا يدع به من قبل أن يأتيه وذلك يقتضي أنه لا كراهة في طلبه عند تحقق مجيئه لما في ذلك من إظهار الرضا بقضاء الله والاستبشار بما يرد من عنده ولكن الآحاد لا سبيل إلى تحقيق هذا وأن يخيروا على لسان ملك مشافهة صريحة وغاية ما يقع للواحد منهم منام أو خاطر صحيح لا يصل به إلى القطع به ولو استبشر عند ذلك بقلبه لما يرد عليه من أمر الله لكان حسنا والله أعلم

فإن قلت إذا منعتم لأن يكون للآحاد طريق إلى تحقيق هذا وحسمتم الباب فيه فما معنى هذا التقييد في قوله من قبل أن يأتيه قلت فيه وجهان أحدهما أنه أشار بذلك إلى حالة نزول الموت ينبغي للعبد أن تكون حاله فيها حال المتمني للموت الداعي به راضيا به مطمئن القلب إلى ما ورد عليه من أمر الله تعالى غير جازع ولا قلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت