فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 1871

ثانيهما أنه أشار بقوله من قبل أن يأتيه إلى أن في الدعاء بالموت قبل حلوله نوع اعتراض ومراغمة للمقدور المحتوم فإن قلت وسائر الأدعية كذلك لأنها إما مقدرة فلا فائدة في سؤالها لوقوعها لا محالة أو غير مقدرة ففي سؤالها اعتراض ومراغمة للقدر وهذا يؤدي إلى سد باب الدعاء وهو باطل قلت إما الدعاء بالمغفرة والرحمة والأمور الأخروية ففيه إظهار الافتقار والمسكنة والخضوع والتذلل والاحتياج

وأما الدعاء بالأمور الدنيوية فلا احتياج للعبد إليها وظهور المصلحة فيها وقد تكون قدرت له إن دعا بها دون ما إذا لم يدع بها فالأسباب مقدرة كما أن المسببات مقدرة وأما الدعاء بالموت فلم يظهر فيه مصلحة لما فيه من طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد كما سيأتي تقريره

الثالثة أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به وهو انقطاع الأعمال بالموت ففي الحياة زيادة الأجور بزيادة الأعمال ولو لم يكن إلا استمرار الإيمان فأي عمل أعظم منه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الأعمال إيمان بالله فبدأ به فإن قلت قد يسلب الإيمان بالله والعياذ بالله قلت إن سبق له في علم الله خاتمة السوء فلا بد من وقوع ذلك طال عمره أو قصر وإن سبقت له السعادة فزيادة عمره زيادة في حسناته ورفع في درجاته كثرت أو قلت

وقد روى أحمد في مسنده من رواية علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ورققنا فبكى سعد فأكثر البكاء فقال يا ليتني مت فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا سعد أعندي تتمنى الموت فردد ذلك ثلاث مرات ثم قال يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك أو حسن من عملك فهو خير لك

فإن قلت فما معنى قوله وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا فقد يزيده شرا بالأعمال السيئة قلت إن حمل على المؤمن الكامل الإيمان فواضح فإن ذاك لا يصدر منه إلا خير وإن حمل على مطلق المؤمن بحيث يتناول المخلط فهو أيضا لا يزيده عمره إلا خيرا لكثرة المكفرات والمضاعفة للأعمال الصالحة فما دام معه أصل الأعمال فحسناته مقبولة مضاعفة وسيئاته محفوفة بالمكفرات بحيث لا يبقى منها إن شاء الله إلا اليسير يمحوه الكرم المحض والعفو العظيم فإن قلت قوله في الرواية الأخرى إما محسنا فلعله يزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب يسأل عنه فيقال لم تنحصر القسمة في هذين الوصفين فلعله بكونه مسيئا يزداد إساءة فيكون زيادة العمر زيادة له في السيئات كما في الحديث الصحيح شر الناس من طال عمره وساء عمله

أو لعله يكون محسنا فتنقلب حاله إلى الإساءة والعياذ بالله تعالى قلت ترجى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت