فهرس الكتاب

الصفحة 704 من 1871

هذا ليس به حب الله ولكن من شدة ما يرى من البلاء وهذا في حكم المرفوع لأنه لا يقال مثله من قبل الرأي فظهر بذلك أن تمني الموت والدعاء به جائز إن كان لمصلحة دينية وهو خوف الفتنة في دينه أو الشوق إلى الله ورسوله إن كان في ذلك المقام ومكروه فيما عدا ذلك وفي حديث معاذ مرفوعا وإذا أردت بالناس فتنة فتوفني إليك غير مفتون وقال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا

الخامسة إن قلت إذا كانت الآجال مقدرة لا يزداد فيها ولا ينقص منها فما الذي يؤثر تمني الموت في ذلك وما الحكمة من النهي عنه قلت هذا هو المعنى المقتضي للنهي عنه لأنه عبث لا فائدة فيه وفيه مراغمة المقدور وعدم الرضا به مع ما تقدم من كون المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرا فإن قلت إذا تقرر أن التمني للموت لا يؤثر في الأعمال لتقديرها فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام في اليهود أنهم لو تمنوا الموت لماتوا جميعا قلت ذاك قاله النبي صلى الله عليه وسلم بوحي خاص أوحي إليه في حق أولئك اليهود أنهم لو تمنوا الموت لماتوا فرتبت آجالهم على وصف إن وجد منهم ماتوا وإن لم يوجد بقوا إلى وقت مقدر لهم والله تعالى يعلم هل يتمنون الموت فتقرب آجالهم أو لم يتمنونه فتبعد آجالهم والأسباب مقدرة كما أن المسببات مقدرة وهذا كما في الحديث الصحيح أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أرأيت رقى نسترقي بها ودواء نتداوى به هل يرد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله تعالى

السادسة قوله في حديث أنس فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ليس المراد بهذا الأمر استحباب الدعاء به لهذا بل تركه أفضل من الدعاء به فأنه رتب الأمر به على كون المتمني لا بد أن يقع منه صورة تمن مع نهيه أولا عن ذلك وكذا قال النووي في هذه الحالة الأفضل الصبر والسكون للقضاء

السابعة إن قلت قد دل حديث أنس هذا على أن الوفاة قد تكون خيرا للعبد فما الجمع بينه وبين قوله في حديث أبي هريرة وإنه لا يزيد المؤمن من عمره إلا خيرا قلت إن حمل المؤمن على الكامل في الإيمان فالأمر في ذلك واضح فإن ذلك الذي تكون الوفاة خيرا له ليس كامل الإيمان وإن حمل على مطلق الإيمان فالغالب أن تكون الحياة خيرا له كما تقدم وهذه الصورة التي تكون الوفاة فيها خيرا له نادرة فلا يدعو بها ولا يعتمد عليها على ظن نفسه فيها إلا إن وكل الأمر في ذلك إلى علم الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت