هذا ليس به حب الله ولكن من شدة ما يرى من البلاء وهذا في حكم المرفوع لأنه لا يقال مثله من قبل الرأي فظهر بذلك أن تمني الموت والدعاء به جائز إن كان لمصلحة دينية وهو خوف الفتنة في دينه أو الشوق إلى الله ورسوله إن كان في ذلك المقام ومكروه فيما عدا ذلك وفي حديث معاذ مرفوعا وإذا أردت بالناس فتنة فتوفني إليك غير مفتون وقال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا
الخامسة إن قلت إذا كانت الآجال مقدرة لا يزداد فيها ولا ينقص منها فما الذي يؤثر تمني الموت في ذلك وما الحكمة من النهي عنه قلت هذا هو المعنى المقتضي للنهي عنه لأنه عبث لا فائدة فيه وفيه مراغمة المقدور وعدم الرضا به مع ما تقدم من كون المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرا فإن قلت إذا تقرر أن التمني للموت لا يؤثر في الأعمال لتقديرها فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام في اليهود أنهم لو تمنوا الموت لماتوا جميعا قلت ذاك قاله النبي صلى الله عليه وسلم بوحي خاص أوحي إليه في حق أولئك اليهود أنهم لو تمنوا الموت لماتوا فرتبت آجالهم على وصف إن وجد منهم ماتوا وإن لم يوجد بقوا إلى وقت مقدر لهم والله تعالى يعلم هل يتمنون الموت فتقرب آجالهم أو لم يتمنونه فتبعد آجالهم والأسباب مقدرة كما أن المسببات مقدرة وهذا كما في الحديث الصحيح أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أرأيت رقى نسترقي بها ودواء نتداوى به هل يرد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله تعالى
السادسة قوله في حديث أنس فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ليس المراد بهذا الأمر استحباب الدعاء به لهذا بل تركه أفضل من الدعاء به فأنه رتب الأمر به على كون المتمني لا بد أن يقع منه صورة تمن مع نهيه أولا عن ذلك وكذا قال النووي في هذه الحالة الأفضل الصبر والسكون للقضاء
السابعة إن قلت قد دل حديث أنس هذا على أن الوفاة قد تكون خيرا للعبد فما الجمع بينه وبين قوله في حديث أبي هريرة وإنه لا يزيد المؤمن من عمره إلا خيرا قلت إن حمل المؤمن على الكامل في الإيمان فالأمر في ذلك واضح فإن ذلك الذي تكون الوفاة خيرا له ليس كامل الإيمان وإن حمل على مطلق الإيمان فالغالب أن تكون الحياة خيرا له كما تقدم وهذه الصورة التي تكون الوفاة فيها خيرا له نادرة فلا يدعو بها ولا يعتمد عليها على ظن نفسه فيها إلا إن وكل الأمر في ذلك إلى علم الله تعالى