فهرس الكتاب

الصفحة 711 من 1871

الله تعالى قد عاب قوما في كتابه بحب الحياة الدنيا فقال إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وقال ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وقال ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم قال فهذا يدل على أن الكراهية للقاء الله تعالى ليست بالكراهية للموت وإنما هو الكراهية للنقلة من الدنيا إلى الآخرة انتهى

وقال المازري من قضي بموته لا بد أن يموت وإن كان كارها لقاء الله ولو كره الله موته ما مات ولا لقيه فيحمل الحديث على كراهة الله تعالى الغفران له وإرادته لإبعاده من رحمته انتهى

وظاهر عبارته تقتضي عدم الغفران لمن كره الموت مطلقا وليس كذلك فالصواب في معنى الحديث ما فسره به قائله صلى الله عليه وسلم

الثالثة استدل به المصنف رحمه الله على أن محبة لقاء الله تعالى ليست من تمني الموت وكذا ذكره ابن عبد البر ووجهه أن تمني الموت منهي عنه ومحبة لقاء الله محمودة وهي علامة على محبة الله تعالى للعبد فإن قلت قد حملتم هذه المحبة للقاء الله تعالى على حالة النزع والاحتضار وتلك الحالة لا تمني فيها قلت ما المانع من التمني في تلك الحالة ولولا ورود هذا الحديث الذي نشرحه لكرهنا تمني الموت بكل حال فلما جاء هذا الحديث علمنا أن تمني الموت في تلك الحالة محمود على أنه لا يمتنع أن يكون هذا الحديث في زمن الصحة أيضا أن يحب العبد بقلبه لقاء الله تعالى من غير أن يدعو بذلك ولا يتمناه بلسانه فتكون هذه بشرى للعبد يستدل بها على محبة الله للقائه فإن العاقل العارف بالأمور لا يحب الموت إلا إذا أعد له الأهبة وتخلص من التبعات وقام بأمر الله كما يجب ومن كان بهذه الصفات فالله تعالى يحب لقاءه بمعنى أنه يريد له الخير ويعده له فإن قلت هذا ينافي المذكور في الحديث من حمله على حالة الاحتضار قلت تلك الحالة هي التي لاختلال فيها ولا شك من أحب فيها لقاء الله كان علامة على محبة الله للقائه ومن كره فيها لقاء الله كان علامة على كراهة الله للقائه بخلاف ما قبل تلك الحالة فإنه لا يلزم من كراهة العبد للموت كراهة الله للقائه ولا من محبة العبد للموت إذا نشأ عن ضجر واختلال عقل وعدم إحكام للأمور محبة الله للقائه وإنما ادعينا كون محبة العبد للموت في غير حالة الاحتضار دليلا على محبة الله للقائه في حالة واحدة وهي ما إذا صدر ذلك عن عارف بالله تعالى محكم للأمور قد استعد للأمور وأخذ لها أهبتها وقام لله بما يجب من حقه فإذا خلق الله تعالى في قلبه محبة الموت كان دليلا على خير له عند الله تعالى فيما يظهر والله تعالى أعلم

الرابعة قال العلماء محبة الله تعالى لعبده هي إرادة الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته وبغضه إرادته عقابه وشقاوته ونحو ذلك حكاه عنهم النووي في شرح مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت