الثانية قوله قال رجل لم يعمل خيرا قط ظاهره أنه لم يكن موحدا لأن التوحيد أعظم الخير لكن إخباره بأنه فعل هذا من خشية الله يدل على توحيده وكيف يخشى الله من لا يعرفه بل يدل على علمه لقوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وقد رفعت تلك الرواية التي نقلتها من مسند أحمد الإشكال في ذلك بقوله فيها لم يعمل من الخير شيئا قط إلا التوحيد قال ابن عبد البر وهذه اللفظة إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى والأصول تعضدها والنظر يوجهها لأنه محال أن يغفر للذين يموتون وهم كفار بلا خلاف بين أهل القبلة وهذا سائغ في لسان العرب أن يؤتى بلفظ الكل والمراد البعض
الثالثة قوله إذا مات فأحرقوه أتى به بلفظ الغيبة ولم يحكه باللفظ الذي قاله لهم وهو إذا مت فاحرقوني وهذا سائغ في لغة العرب وهو نظير قولهم لعبد الله ما أكرمه ولو حكى القول لقيل قلت لعبد الله ما أكرمك والأمران جائزان مستعملان
الرابعة قوله ثم أذروا بالذال المعجمة ويجوز في همزة الوصل والقطع يقال ذرته الريح وأذرته تذروه وتذريه إذا أطارته ومنه تذرية الطعام كذا ذكر في المشارق والنهاية ذريت وأذريت بمعنى وقال في الصحاح ذروته طيرته وأذهبته وذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذروا وذريا أي سفته ومنه قولهم ذرى الناس الحنطة ثم قال وأذريت الشيء إذا ألقيته كإلقائك لحب للزرع وطعنه فأذراه عن ظهر دابته أي ألقاه انتهى
وذكر في المحكم نحوه وهذا يقتضي الفرق بين الثلاثي والرباعي وأن ما يلقى في غير محل معين يستعمل فيه الثلاثي كما في هذا الحديث وما يلقى في محل معين يستعمل فيه الرباعي
الخامسة قوله فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه ظاهره نفي قدرة الله على إحيائه وإعادته وفي القول به إشكال فإن ذلك كفر والشاك في قدرة الله تعالى كافر مع كون الحديث يدل على إسلامه من وجهين أحدهما إخباره بأنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى والكافر لا يخشى الله تعالى والثاني إخباره عليه الصلاة والسلام بأن الله غفر له والكافر لا يغفر له مع ما انضم إلى ذلك من الرواية التي في مسند أحمد الصريحة في أنه كان موحدا فاختلف العلماء في تأويله فقالت طائفة لا يصح حمله على ظاهره لما ذكرناه فيكون له تأويلان أحدهما أن معناه لأن قدر الله على العذاب أي قضاه يقال منه قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد بمعنى واحد والثاني أن قدر بمعنى ضيق فقوله لئن قدر الله علي أي لئن ضيق ومنه قوله تعالى فقدر عليه رزقه وهو أحد الأقوال في قوله تعالى فظن أن لن نقدر عليه وقال آخرون اللفظ على ظاهره وذكروا له تأويلات أحدهما أن هذا الرجل قال