فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 1871

هذا الكلام وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف والجزع الشديد بحيث ذهب تيقظه وتدبره ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته أنت عبدي وأنا ربك فلم يكفر بذلك للدهش والغلبة والسهو وقد ورد في رواية في غير الصحيحين فلعلي أضل الله أي أغيب عنه وهذا يدل على أن قوله لئن قدر الله على ظاهره كما ذكرنا

الثاني أن هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها يسمونه مزج الشك باليقين وسماه بعضهم تجاهل العارف ومنه قوله تعالى وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين فصورته شك والمراد به اليقين الثالث أن غاية ما فيه أن هذا رجل جهل صفة من صفات الله تعالى وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة فمن كفره بذلك محمد بن جرير الطبري وقاله الشيخ أبو الحسن الأشعري أولا وقال آخرون لا يكفر بجهل الصفة ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها وإليه رجع أبو الحسن الأشعري وعليه استقر قوله قال لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا نقطع بصوابه ويراه دينا وشرعا وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق قال هؤلاء ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلا وحكاه ابن عبد البر عن المتقدمين من العلماء ومن سلك سبيلهم من المتأخرين واستدل عليه بأن عمر وعمران بن حصين وجماعة من الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القدر ومعلوم أنهم إنما يسألوه عن ذلك وهم جاهلون به وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين انتهى

الرابع أنه كان في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

الخامس أنه يجوز أنه كان متمسكا بشريعة فيها جواز العفو عن الكافر وإن كان ذلك غير جائز في شرعنا فإنه من مجوزات العقول عند أهل السنة وإنما منعناه في شرعنا بالشرع وهو قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به وغير ذلك من الأدلة والله أعلم

السادسة إن قلت ظاهر حال هذا الرجل أنه وقع في كبيرة وهو اليأس من رحمة الله وكان هذا خاتمة أمره فكيف كانت هذه الكبيرة سبب المغفرة له قلت إن صرفنا اللفظ عن ظاهره يحمل قدر على قضى أو ضيق فليس فيه اليأس من رحمة الله فإنه يرجو الرحمة بتقدير أن لا يقضي عليه بالعذاب أو لا يضيق عليه على اختلاف القولين وإن أخذناه على ظاهره فالجواب عن هذا أن شدة الخوف اصطلمته وأذهلته حتى خرج عن حد التكليف فنفعه خوفه ونجاه مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت