التوحيد ولم يضره يأسه لأنه حصل له حالة انقطع عنه فيها التكليف وبتقدير أنه لم يصل إلى حالة أخرجته عن حيز المكلفين فالخوف الحاصل له كفر عن سيئاته من رحمة الله بل كفر عنه سيئاته التي كان يرتكبها طول عمره وقد يشتمل الفعل الواحد على طاعة من وجه ومعصية من وجه فربما غلبت الطاعة فكفرت المعصية وربما غلبت المعصية فأحبطت ثواب الطاعة وفي هذا المحل غلبت الطاعة فكفرت المعصية وعن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال فيمن سمع بآلة محرمة فأحدثت له أحوالا صالحة يحصل له اسم السماع المحرم وثواب الأعمال الصالحة فإن غلب الثواب ربح وإن غلب الإثم خسر وإن استويا تكافأ هذا معناه وروى الإمام أحمد في مسنده وغيره بإسناد جيد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل فعلت كذا وكذا قال والذي لا إله إلا هو يا رسول الله ما فعلت فقال بلى قد فعلت ولكن غفر لك بالإخلاص وروي هذا المعنى أيضا من حديث ابن عباس وأنس وابن الزبير رضي الله عنهم
السابعة إن قلت في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وهذا قد ظن بربه تعذيبه وعدم المغفرة له فكيف غفر له قلت قد اختلفوا في معنى هذا الحديث فقيل المراد به الرجاء وتأميل العفو وقيل معناه بالغفران له إذا استغفر والقبول له إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفارية إذا طلب الكفارية فإن قلنا بالثاني فالجمع بينهما واضح لأن هذا قد ندم على ما فرط منه ولولا ندمه لما أمر أن يفعل به ذلك فكان تائبا فقبلت توبته وغفر له وإن قلنا بالأول فقد حكى القاضي عياض والنووي في شرح مسلم أنه قيل إنما وصى بذلك تحقيرا لنفسه وعقوبة لها لعصيانها وإسرافها رجاء أن يرحمه الله تعالى فهو حينئذ قد رجا العفو وأمله فكان الله عند ظنه به فعفا عنه وهذا بعيد من قوله إن قدر الله علي إن لم يؤوله بما تقدم والله أعلم
الثامنة استدل به المصنف رحمه الله على أن خوف العبد من ذنبه ليس كراهية للقاء الله تعالى وهو استدلال واضح لأن الخائف من ذنبه يطلب أن يكون مصيره إلى الدار الآخرة على وجه مرضي يقربه إلى الله تعالى فكره حالة نفسه التي هو عليها ولم يكره لقاء الله مطلقا بل أحب لقاءه على غير تلك الحالة التاسعة في هذا الحديث فضيلة خوف الله تعالى وغلبتها على العبد وأنها من مقامات الإيمان وأركان الإسلام وبها انتفع هذا المسرف وحصلت له المغفرة وفيه دليل على أنه لا ضرر