وحكى ابن عبد البر عن الشافعي أنه قال لا يصح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الرجل جبار لأن الحفاظ لم يحفظوه وأخرجه من الطريق الثانية أبو داود والنسائي وابن ماجه من طريق عبد الرزاق لفظ النسائي النار جبار والبئر جبار واقتصر أبو داود وابن ماجه على ذكر النار واتفق الشيخان أيضا على إخراج الحديث من طريق شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة وأخرجه مسلم من رواية الأسود بن العلاء عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ البئر جرحها جبار والمعدن جرحها جبار والعجماء جرحها جبار وفي الزكاة الخمس
الثانية العجماء بفتح العين المهملة وإسكان الجيم ممدود البهيمة وإنما سميت عجماء لأنها لا تتكلم فكل من لا يقدر على الكلام أصلا فهو أعجم قاله أهل اللغة وقوله جرحها قال صاحب النهاية هو هنا بفتح الجيم على المصدر لا غير قاله الأزهري فأما الجرح بالضم فهو الاسم وقوله جبار بضم الجيم بعدها باء موحدة مخففة وآخره راء وهو الهدر الذي لا ضمان فيه وذكر ابن العربي ما حاصله أن بناء ج ب ر للرفع والإهدار من باب السلب وهو كثير في العربية يأتي اسم الفعل والفاعل لسلب معناه كما يأتي لإثبات معناه واعترضه والدي رحمه الله بأنه لا حاجة لجعله من السلب بل هو للرفع على بابه لأن إتلافات الآدميين مضمونة مقهور متلفها على ضمانها وهذا إتلاف قد ارتفع على أن يؤخذ به انتهى
ويجوز في إعراب هذه الجملة وجهان أحدهما أن يكون قوله جرحها جبار جملة من مبتدأ وخبر وهي خبر عن المبتدأ الذي هو العجماء والثاني أن يكون قوله جرحها بدلا من العجماء وهو بدل اشتمال والخبر قوله جبار والكلام جملة واحدة والمصدر في قوله جرحها مضاف للفاعل أي كون العجماء تجرح غيرها مضمون
الثالثة فيه أن جرح البهيمة هدر غير مضمون وذكر القاضي عياض والنووي وغيرهما أنه عبر بالجرح عما عداه من إتلافها سواء أكان لجرح أو غيره سواء أكان على نفس أو مال فإن قلت ويؤيد ذلك أن في رواية البخاري العجماء جبار ولم يقيده بجرحها قلت تلك الرواية لا بد فيها من تقدير إذ لا معنى لكون العجماء نفسها هدرا وقد دلت رواية غيره على أن ذلك المقدر هو الجرح فوجب الرجوع إليه لكن الحكم غير مختص به بل هو مثال منه يستدل به على ما عداه كما تقدم ولو لم تدل رواية أخرى على تعيين ذلك المقدر لم يكن