والواقع أن الفكر الديني اليهودي الحديث بنحو، في جوهره، هذا المنحى الصوفي الحلولى، والصهيونية هي النقطة التي تظهر عندها الحلولية بدون إله
ويمكن التمييز بين نمطين من التصوف: واحد يدور في نطاق إطار توحيديه ويصدر من الإيمان بإله بتجاوز الإنسان والطبيعة والتاريخ، ومن ثم يؤمن بالثنائيات الدينية الفضفاضة (سماء/ أرض - إنسان طبيعة - إله/ إنسان)
وتتبدى هذه الرؤية في تدريبات صوفية يقوم بها المتصوف ليكبح جماح جسده تعبيرة عن حبه للإله وعن محاولته التقرب منه وهو يعرف مسبقا استحالة الوصول والتوحد مع الإله، فالحلول الإلهى بتنافي مع الرؤية التوحيدية، ووحدة الوجود قمة الكفر.
والمتصوف الذي يدور في إطار توحيدي يعبر عن حبة الإلهي عن طريق فعل في التاريخ والدنيا بالتزم فيه بقيم الخير وعلي به من شأن القيم المطلقة المرسلة للإنسان من الإله ويصلح به حال الدنيا. به ..
أما النمط الثاني من التصوف فيدور في إطار حلولي بصدر عن الإيمان بالواحدية الكونية حيث بحل الإله في الطبيعة والإنسان والتاريخ ويتوحد معها ويصبح له وجود له خارجها، فيختل الواقع بأسره إلى مستوى واحد يخضع لقانون واحد، ومن ثم، يستطيع من يعرف هذا القانون (الغنوصي) أن يتحكم في العالم بأسره، وهذا دو هدف المتصوف في هذا الإطار. ت و
فبدلا من التدريبات الصوفية التي يكبح بها الإنسان جسده ويطوع لها ذاته، ياخذ التصوف شكل التفسيرات الباطنية وصنع التمائم والتعاويذ والبحث عن الصيغ التي يمكن من خلالها التأثير في الإرادة الإلهية
ومن ثم التحكم الإمبريالي في الكون، وحتى لو أخذ هذا التصوف شكل الزهد، فالهدف من الزهد ليس تطويع الذات وإنما الوصول إلى الإله والالتصاق به، والتوحد معه والفناء فيه ليصبح المتصرف عارفة بالأسرار الإلهية، ومن ثم يصبح هو نفسه إلهة
او شبيها بالإله ..
والمتصوف في إطار حلولى لا يكترث إلا بذاته، ولذا فهو لا يتحرك في الزمان والمكان الإنسانيين ولا يأتي بأفعال في التاريخ ولا يهتم بإصلاح الدنيا بل يضع نفسه فوق الخير والشر وفوق كل القيم المعرفية والأخلاقية.