فهرس الكتاب

الصفحة 1605 من 1743

صفحة فارغة

هامش أنوار البروق

هامش إدرار الشروق

انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل إلى الصغر والكبر من باب النسب والإضافات فقد يكون الشيء كبيرا في نفسه لكنه صغير بالنسبة لما هو أكبر منه فلا ينظر إلى خفة الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة ورميها لها بالنقص والاستدراك وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها بخلاف سائر المعاصي فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها بل صاحب المعصية يتنصل منها مقرا لله بمخالفته لحكمها فحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة وحاصل البدعة مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة ولذلك قال مالك بن أنس من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله خان الرسالة لأن الله يقول اليوم أكملت لكم دينكم إلى آخر الحكاية ومثلها جوابه لمن أراد أن يحرم من المدينة

وقال أي فتنة فيها إنما هي أميال أزيدها فقال وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك فعلت فعلا قصر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر الحكاية فإذا لا يصح أن يكون في البدع ما هو صغيرة بل صار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من المتشابهات كما صار اعتقاد نفي الكراهية التنزيه عنها من الواضحات وإلى الطريقة الثانية أعني تعدد حكم البدع مال الإمام أبو إسحاق الشاطبي فقال في كتابه الاعتصام إن البدع

وإن ورد النهي عنها على وجه واحد ونسبته إلى الضلالة واحدة في قوله صلى الله عليه وسلم إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وهو عام في كل بدعة إلا أنه لا يصح أن يقال إنها على حكم واحد هو التحريم فقط أو الكراهة فقط لوجوه الوجه الأول أنها داخلة تحت جنس المنهيات وهي لا تعد والكراهة والتحريم فالبدع كذلك والوجه الثاني أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت متفاوتة فمنها ما هو كفر صراح كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن بنحو قوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا الآية وقوله تعالى وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء وقوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح

ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف هل هي كفر أم لا كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة النكاح والجماع ومنها ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال وقراءة القرآن بالإدارة والاجتماع للدعاء عشية عرفة وذكر السلاطين في خطبة الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام والشافعي وما أشبه ذلك والوجه الثالث أن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات فإن ما كانت في الضروريات أعظم الكبائر وما كانت في التحسينات فأدنى رتبة بلا إشكال وما وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل ولا يمكن أن يكون في رتبة المكمل فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع المقصد ولا تبلغ الوسيلة رتبة المقصد وأيضا الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت