والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم فحكم على جميع الخلائق بالهلاك إلا العلماء منهم
ثم ذكر شروطا أخر مع العلم في النجاة من الهلاك نعم الجهل الذي لا يمكن رفعه للمكلف بمقتضى العادة يكون عذرا كما لو تزوج أخته فظنها أجنبية أو شرب خمرا يظنه خلا أو أكل طعاما نجسا يظنه طاهرا مباحا فهذه الجهالات يعذر بها إذ لو اشترط اليقين في هذه الصور وشبهها لشق ذلك على المكلفين فيعذرون بذلك وأما الجهل الذي يمكن رفعه لا سيما مع طول الزمان واستمرار الأيام والذي لا يعلم اليوم يعلم في غد ولا يلزم من تأخير ما يتوقف على هذا العلم فساد فلا يكون عذرا لأحد ولذلك ألحق مالك الجاهل في العبادات بالعامد دون الناسي لأنه جهل يمكنه رفعه فسقط اعتباره وكذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز حكاية عن نوح عليه السلام إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم أي بجواز سؤاله فاشترط العلم بالجواز قبل الإقدام على الدعاء وهو يدل على أن الأصل في الدعاء التحريم إلا ما دل الدليل على جوازه
هامش أنوار البروق
الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذرا إلى آخره قلت ما قاله في هذا الفصل كله صحيح إلا ما قاله من أن الأصل في الدعاء التحريم والاستدلال على ذلك بقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ففي ذلك نظر وإلا ظهر أن الأصل في الدعاء الندب إلا ما قام الدليل على منعه
قال إذا تقرر هذا فينبغي للسائل أن يحذر هذه الأدعية وما يجري مجراها حذرا شديدا
ثم قال فهذه الأربعة الأقسام بتميزها حصل الفرق بين ما هو كفر من الدعاء وما ليس بكفر وهو المطلوب
هامش إدرار الشروق
بذلك أن يحصل له الشرف على الخلائق مقرونا بإرادته تعالى فلا محذور في ذلك إذا اقترن بقرينة تفهم المقصود فتأمل
قال وقول الشيخ أبي الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنه إن بناء المسلم الكنائس كفر يريد في الحكم الدنيوي وأما الأخروي فبحسب النية نعم فتواه بكفر المسلم إذا قتل نبيا يعتقد صحة رسالته لإرادته إماتة شريعته وإرادة إماتة الشريعة كفر ا هـظاهر صحتها كقول الأصل إن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية لا يعذر الداعي به عند الله تعالى لأن القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف رفعه لا يكون حجة للجاهل لا سيما مع طول الزمان واستمرار الأيام فإن الذي لا يعلم اليوم يعلم في غد ولا يلزم من تأخير ما يتوقف على هذا العلم فساد فلا يكون عذرا لأن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسالته وأوجب عليهم كافة أن يعلموها ثم يعملوا بها فالعلم والعمل بها واجبان فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبين
وإن علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل ومن علم وعمل فقد نجا ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كلهم هلكى إلا العالمون والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون