فهرس الكتاب

الصفحة 1210 من 2444

وكان ابن المعتز مجتازا بسامراء متأسفا عليها وله فيها كلام منثور ومنظوم في وصفها ولما استدبر أمرها جعلت تنقض وتحمل أنقاضها إلى بغداد ويعمر بها فقال ابن المعتز قد أقفرت سر من را وما لشيء دوام فالنقض يحمل منها كأنها آجام ماتت كما مات فيل تسل منه العظام وحدثني بعض الأصدقاء قال اجتزت بسامراء أو قال أخبرني من اجتاز بسامراء فرأيت على وجه حائط من حيطانها الخراب مكتوبا حكم الضيوف بهذا الربع أنفذ من حكم الخلائق آبائي على الأمم فكل ما فيه مبذول لطارقه ولا ذمام به إلا على الحرم وأظن هذا المعنى سبق إليه هذا الكاتب فإذا هو مأخوذ من قول أرطاة بن سهية المري حيث قال وإني لقوام لدى الضيف موهنا إذا أغدف الستر البخيل المواكل دعا فأجابته كلاب كثيرة على ثقة مني بأني فاعل وما دون ضيفي من تلاد تحوزه

لي النفس إلا أن تصان الحلائل وكتب عبد الله بن المعتز إلى صديق له يمدح سر من رأى ويصف خرابها ويذم بغداد وأهلها ويفضل سامراء كتبت إليك من بلدة قد أنهض الدهر سكانها وأقعد جدرانها فشاهد اليأس فيها ينطق وحبل الرجاء فيها يقصر فكأن عمرانها يطوى وكأن خرابها ينشر وقد وكلت إلى الهجر نواحيها واستحث باقيها إلى فانيها وقد تمزقت بأهلها الديار فما يجب فيها حق جوار فالظاعن منها ممحو الأثر والمقيم بها على طرف سفر نهاره إرجاف وسروره أحلام ليس له زاد فيرحل ولا مرعى فيرتع فحالها تصف للعيون الشكوى وتشير إلى ذم الدنيا بعدما كانت بالمرأى القريب جنة الأرض وقرار الملك تفيض بالجنود أقطارها عليهم أردية السيوف وغلائل الحديد كأن رماحهم قرون الوعول ودروعهم زبد السيول على خيل تأكل الأرض بحوافرها وتمد بالنقع حوافرها قد نشرت في وجوهها غررا كأنها صحائف البرق وأمسكها تحجيل كأسورة اللجين ونوطت عذرا كالشنوف في جيش يتلقف الأعداء أواثله ولم ينهض أواخره وقد صب عليه وقار الصبر وهبت له روائح النصر يصرفه ملك يملأ العين جمالا والقلوب جلالا لا تخلف مخيلته ولا تنقض مريرته ولا يخطىء بسهم الرأي غرض الصواب ولا يقطع بمطايا اللهو سفر الشباب قابضا بيد السياسة على أقطار ملك لا ينتشر حبله ولا تتشظى عصاه ولا تطفى جمرته في سن شباب لم يجن مأثما وشيب لم يراهق هرما قد فرش مهاد عدله وخفض جناح رحمته راجما بالعواقب الظنون لا يطيش عن قلب فاضل الجزم بعد العزم ساعيا على الحق يعمل به عارفا بالله يقصد إليه مقرا للحلم ويبذله قادرا على العقاب ويعدل فيه إذ الناس في دهر غافل قد اطمأنت بهم سيرة لينة الحواشي خشنة المرام تطير بها أجنحة السرور ويهب فيها نسيم الحبور فالأطراف على مسرة والنظر إلى مبرة قبل أن تخب مطايا الغير وتسفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت