فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 2444

قال كانت الإسكندرية لشدة بياضها لا يكاد يبين دخول الليل فيها إلا بعد وقت فكان الناس يمشون فيها وفي أيديهم خرق سود خوفا على أبصارهم وعليهم مثل لبس الرهبان السواد وكان الخياط يدخل الخيط في الإبرة بالليل وأقامت الإسكندرية سبعين سنة ما يسرج فيها ولا يعرف مدينة على عرضها وطولها وهي شطرنجية ثمانية شوارع في ثمانية قلت أما صفة بياضها فهو إلى الآن موجود فإن ظاهر حيطانها شاهدناها مبيضة جميعها إلا اليسير النادر لقوم من الصعاليك وهي مع ذلك مظلمة نحو جميع البلدان

وقد شاهدنا كثيرا من البلاد التي تنزل بها الثلوج في المنازل والصحاري وتساعدهم النجوم بإشراقها عليها إذا أظلم الليل أظلمت كما تظلم جميع البلاد لا فرق بينها فكيف يجوز لعاقل أن يصدق هذا ويقول به قال وكان في الإسكندرية سبعة حصون وسبعة خنادق قال وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني فتحت مدينة فيها اثنا عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر وأصبت فيها أربعين ألف يهودي عليهم الجزية

وروي عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم لما ولي مصر وبلغه ما كانت الإسكندرية عليه استدعى مشايخها وقال أحب أن أعيد بناء الإسكندرية على ما كانت عليه فأعينوني على ذلك وأنا أمدكم بالأموال والرجال

قالوا انظرنا أيها الأمير حتى ننظر في ذلك

وخرجوا من عنده وأجمعوا على أن حفروا ناووسا قديما وأخرجوا منه رأس آدمي وحملوه على عجلة إلى المدينة فأمر بالرأس فكسر وأخذ ضرس من أضراسه فوجد وزنه عشرين رطلا على ما به من النخر والقدم فقالوا إذا جئتنا بمثل هؤلاء الرجال نعيد عمارتها على ما كانت فسكت

ويقال إن المعاريج التي بالإسكندرية مثل الدرج كانت مجالس العلماء يجلسون عليها على طبقاتهم فكان أوضعهم علما الذي يعمل الكيمياء من الذهب والفضة فإن مجلسه كان على الدرجة السفلى

وأما خبر المنارة فقد رووا لها أخبارا هائلة وادعوا لها دعاوي عن الصدق عادلة وعن الحق مائلة فقالوا إن ذا القرنين لما أراد بناء منارة الإسكندرية أخذ وزنا معروفا من حجارة ووزنا من آجر ووزنا من حديد ووزنا من نحاس ووزنا من رصاص ووزنا من قصدير ووزنا من حجارة الصوان ووزنا من ذهب ووزنا من فضة وكذلك من جميع الأحجار والمعادن ونقع جميع ذلك في البحر حولا ثم أخرجه فوجده قد تغير كله وحال عن حاله ونقصت أوزانه إلا الزجاج فإنه لم يتغير ولم ينقص فأمر أن يجعل أساس المنارة من الزجاج وعمل على رأس المنارة مرآة ينظر فيها الناظر فيرى المراكب إذا خرجت من أفرنجة أو من القسطنطينية أو من سائر البلاد لغزو الإسكندرية فأضر ذلك بالروم فلم يقدروا على غزوها

وكانت فيها حمة تنفع من البرص ومن جميع الأدواء وكان على الروم ملك يقال له سليمان فظهر البرص في جسمه فعزم الروم على خلعه والاستبدال منه فقال أنظروني أمض إلى حمة الإسكندرية وأعود فإن برئت وإلا شأنكم وما قد عزمتم عليه قال وكان فعله هذا من إظهار البرص بجسمه حيلة ومكرا وإنما أراد قلع المرآة من المنارة ليبطل فعلها فسار إليها في ألف مركب وكان من شرط هذه الحمة أن لا يمنع منها أحد يريد الاستشفاء بها فلما سار إليها فتحوا له أبوابها الشارعة إلى البحر فدخلها وكانت الحمة في وسط المدينة بإزاء المعاريج التي تجلس العلماء عليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت