وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ: كَمَا أَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، أَيْ أَنَا مُوَافِقُكَ فِي أَمْرِكَ وَنَهْيِكَ وَمَحَبَّتِكَ وَرِضَاكَ، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ اتِّحَادَ ذَاتِهِ بِهِ، كَمَا لَمْ يُرِدْ أَنْ تَتَّحِدَ ذَوَاتُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَإِنَّهُ طَلَبَ لَهُمْ مِثْلَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمُوَافَقَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ.
قَالَ: أَوْ يَكُونُ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى مَعْنًى دَقِيقٍ لَا يَعْرِفْهُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ بَطُلَ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِهَذَا الْقَوْلِ تَأْوِيلُكُمْ مُمَازَجَتَهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي اللَّاهُوتِ بِقَوْلِهِ فِي تَلَامِيذِهِ أَنَّهُ بِهِمْ، كَمَا أَنَّ أَبَاهُ بِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ تَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ ذَهَبَ فِي وَصْفِهِ أَنَّهُ أَبِيهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ بِهِ إِلَى مُشَارَكَتِهِ فِي
اللَّاهُوتِ فَقَدْ قَالَ فِي تَلَامِذَتِهِ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ شُرَكَاءَ فِي الْمَحَلِّ، وَهَذَا مَا لَا يَكُونُ وَلَا يَجْتَرِئُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَحَدٌ.
قَالَ: وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ كِتَابُهَا وَدَعْوَتُهَا وَمَعْبُودُهَا وَاحِدٌ يَتَمَسَّكُونَ بِأَمْرِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَلَامِذَتِهِ وَإِنْجِيِلِهِ وَسُنَّتِهِ وَشَرَائِعِهِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ أَشَدَّ الِاخْتِلَافِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ عَبْدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ إِلَهٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ وَلَدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ أُقْنُومٌ وَطَبِيعَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ أُقْنُومَانِ وَطَبِيعَتَانِ.