وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُكَفِّرُ صَاحِبَهُ وَيَقُولُ: إِنَّ الْحَقَّ فِي يَدِهِ، وَكُلُّهُمْ لَا يَأْتِي مِنَ الْكِتَابِ بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ يُثْبِتُ بِهَا دَعْوَاهُ، وَلَا مِنْ قِيَاسِهِ لِنَفْسِهِ وَتَأَوُّلِهُ بِمَا يَصِحُّ لَهُ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي دِينِهِ وَاعْتِقَادِهِ إِلَى مَا تَأَوَّلَهُ لَهُ الْمُتَأَوِّلُونَ، بِمَا يُخَالِفُ إِنْجِيلَهُمْ وَكُتُبَهُمْ بِالْهَوَى وَالْعِنَادِ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَهُمْ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ عَلَى التَّأْوِيلِ وَلَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَدَّعُونَ لَهُ وَلَدًا مِنْ جِهَةِ مَا أَحْدَثُوا لِأَنْفُسِهِمْ، سُبْحَانَهُ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ.
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ: وَقَدْ بَيَّنَّا الْحُجَجَ فِي بُطْلَانِ كُلِّ قَوْلٍ لَكُمْ
مِمَّا عَقَدْتُمْ بِهِ شَرِيعَةَ إِيمَانِكُمْ، وَوَجَدْنَا قَوْمًا مِنْكُمْ إِذَا نُوظِرُوا فِي ذَلِكَ قَالُوا: قَدْ وَجَدْنَا أَكْثَرَ الْأَدْيَانِ يَخْتَلِفُ أَهْلُهَا فِيهَا، وَيَتَفَرَّقُونَ عَلَى مَقَالَاتٍ شَتَّى هُمْ عَلَيْهَا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّ الصَّوَابَ فِي يَدِهِ.
وَهَذَا أَيْضًا مِنْ سُوءِ الِاخْتِيَارِ، وَذَهَابِ الْقُلُوبِ عَنْ رُشْدِهَا وَانْصِرَافِهَا عَنْ سَبِيلِ حَقِّهَا.
فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ فِي عَقْدِ مَعْبُودِهِمْ، وَلَا شَكُّوا فِيهِ وَلَا تَفَرَّقُوا الْقَوْلَ فِيمَا اخْتَارُوهُ، إِلَّا أَهْلُ مِلَلِ النَّصْرَانِيَّةِ فَقَطْ.
وَسَائِرُ مَنْ سِوَاهُمْ إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعٍ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ وَشَرَائِعِهِ، مِثْلَ اخْتِلَافِ الْيَهُودِ فِي أَعْيَادِهِمْ وَسُنَنٍ لَهُمْ، وَمِثْلَ اخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقَدَرِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ دَفَعَهُ.