وَمِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: مِثْلُ هَذَا لَوْ وَقَعَ لَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، بَلْ كَانَ الْمُتَّبِعُونَ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ إِذَا اطَّلَعُوا عَلَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُشِيعُوهُ وَيُعْلِنُوهُ، فَكَيْفَ الْمُخَالِفُونَ لَهُ، الْمُكَذِّبُونَ لَهُ؟ فَإِنَّ الْقَوْمَ الْمُتَفَرِّقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَوَاطَئُوا، كَمَا لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ، فَلَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى كِتْمَانِ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ يَجْتَهِدُ الْمُلُوكُ وَالرُّؤَسَاءُ فِي إِخْفَاءِ مَا يُبْطِنُونَهُ مِنْ أَمْرِ مُلْكِهِمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلَيْهِ، وَيُحَلِّفُونَ أَوْلِيَاءَهُمْ عَلَى كِتْمَانِ ذَلِكَ، وَيَبْذُلُونَ لَهُمُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يَظْهَرُ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ، مَنْ أَهْلِ
الْبَحْرَيْنِ بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ، وَكَمَا عَرَفَ النَّاسُ أَنَّ النَّصِيرِيَّةَ لَهُمْ خِطَابٌ يُسِرُّونَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا ذَلِكَ الْخِطَابُ الَّذِي يُسِرُّونَهُ.
لَا سِيَّمَا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِحَمْدِهِ وَاتَّبَعُوهُ - أَوَّلًا - مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، هَجَرُوا لِأَجْلِهِ الْأَوْطَانَ وَالْأَهْلَ وَالْمَالَ، وَصَبَرُوا عَلَى أَنْوَاعِ الْمَكَارِهِ وَالْأَذَى: طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ ذَهَبَتْ إِلَى الْحَبَشَةِ،