وهذا الوصف الذين كذبوا بآيات الله {كِذَّاباً} أي تكذيبا، فهو تكذيب مؤكد بالمصدر، ولم أجد نقلا مشهورا عن أحد من الصحابة يخالف ذلك، بل أبو سعيد وأبو هريرة هما رويا حديث ذبح الموت، وأحاديث الشفاعة، وخروج
أهل التوحيد وغيرهما، قالا في فناء النار ما قالا، وقد نقل البغوي: روى السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال:"لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا".
وقد استفاض عن غير واحد من السلف تقدير الحقب بحد محدود، والأحقاب، جمع حقب، فروى ابن أبي حاتم عن عطية، عن ابن عباس قال في قوله تعالى: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً} . قال:"سنين".
وعن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة قال: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً} .
قال: الحقب: ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم كألف سنة، اليوم منها كالدنيا كلها.
قال ابن أبي حاتم، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهلال الهجري والضحاك، وذكوان، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعمرو بن ميمون أنهم قالوا: الحقب: ثمانون سنة.
وعن هشام، عن الحسن البصري أنه سئل عن قوله تعالى: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً} فقال: الله أعلم بالأحقاب فليس فيها عدد إلا الخلود، ولكنه بلغنا أن
الحقب الواحد: سبعون ألف سنة، كل يوم من تلك الأيام كألف سنة مما تعدون.
وعن هشام، عن الحسن قال:"الأحقاب"لا يدري أحد ما هي؟ ولكن الحقب الواحد: سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون وقوله: الله أعلم ما الأحقاب، ولا يدري ما هي؟ يقتضي أن لها عددا الله أعلم، ولو كانت لا عدد لها لعلم كل أحد أنه لا عدد لها، ويؤيد ما نقله الحسن، عن عمر بن الخطاب كما تقدم، قول الحسن:"ليس فيها عدد إلا الخلود"حق أيضا، فإنهم خالدون فيها، لا يخرجون منها ما دامت باقية، فأقوال الحسن يصدق بعضها بعضا.
وأما خلودهم في النار فهو حق كما أخبر الله.