وَالثَّانِي: الْخَبَرِيَّاتُ؛ وَهَذِهِ قَدِ ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ مُحَمَّدًا خَالَفَ بَعْضَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَنَاقَضَ؛ إِذْ هُمْ - كُلُّهُمْ - صَادِقُونَ مُصَدَّقُونَ وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ رَسُولُ اللَّهِ، عَلِمَ أَنَّ أَخْبَارَهُمْ لَا تَتَنَاقَضُ لَكِنْ قَدْ يُخْبِرُ هَذَا بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ هَذَا؛ فَيَكُونُ فِي أَخْبَارِ أَحَدِهِمْ زِيَادَاتٌ عَلَى أَخْبَارِ غَيْرِهِ لَا مَا يُنَاقِضُ خَبَرَ غَيْرِهِ.
وَمَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِمَّا يُنَاقِضُ خَبَرَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ - عَامَّتُهُ - مِمَّا حَرَّفُوا مَعْنَاهُ وَتَأْوِيلَهُ وَقَلِيلٌ مِنْهُ حُرِّفَ لَفْظُهُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ - الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى - مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَقَعَ التَّحْرِيفُ بِهَا، إِمَّا عَمْدًا وَإِمَّا خَطَأً فِي تَرْجَمَتِهَا وَفِي تَفْسِيرِهَا وَشَرْحِهَا وَتَأْوِيلِهَا. وَإِنَّمَا تَنَازَعَ النَّاسُ: هَلْ وَقَعَ التَّحْرِيفُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا؟ وَكُلُّ مَا يَدَّعِي فِيهِ مُدَّعٍ أَنَّ مُحَمَّدًا
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقَضَهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ مُقَدَّمَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: ثُبُوتُ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيِّ.
وَالثَّانِي: ثُبُوتُ مَعْنَاهُ.