فهرس الكتاب
وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه.
فوجه هذا الحديث أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عنى بالفاجر المنافق فلا ينقض الاستدلال أو يكون عنى كل فاجر لأن الفجور مظنة النفاق فما من فاجر إلا يخاف أن يكون فجوره صادرا عن مرض في القلب أو موجبا له فإن المعاصي بريد الكفر فإذا أحب الفاسق فقد يكون محبا للمنافق فحقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر أن لا يواد من أظهر من الأفعال ما يخاف معها أن يكون محادا لله ورسوله فلا ينقض الاستدلال أيضا أو أن تكون الكبائر من شعب المحادة لله ورسوله فيكون مرتكبها محادا من وجه وإن كان مواليا لله ورسوله من وجه آخر ويناله من الذلة والكبت بقدر قسطه من المحادة كما قال الحسن:"وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إنّ ذلّ المعصية لفي رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه فالعاصي يناله من الذلة والكبت بحسب معصيته وإن كان له من عزة الإيمان بحسب إيمانه كما يناله من الذم والعقوبة وحقيقة الإيمان أن لا يواد المؤمن من حاد الله بوجه من وجوه المودة المطلقة وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها فإذا اصطنع الفاجر إليه يدا أحبه المحبة التي جبلت القلوب عليها فيصير موادا له مع أن حقيقة الإيمان توجب عدم مودته من ذلك الوجه وإن كان معه من أصل الإيمان ما يستوجب به أصل المودة التي تستوجب أن يخص بها دون الكافر والمنافق وعلى هذا فلا ينقض الاستدلال أيضا لأن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أظهر حقيقة المحادة ورأسها الذي يوجب جميع أنواع المحادة فاستوجب الجزاء المطلق وهو جزاء الكافرين كما أن من أظهر حقيقة النفاق ورأسه استوجب ذلك وإن لم يستوجبه من أظهر شعبة من شعبه والله سبحانه أعلم."