وَكَانَ يُشَاوِرُ أَبَا بَكْرٍ بِأُمُورِ حُرُوبِهِ يَخُصُّهُ، كَمَا شَاوَرَهُ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، كَمَا اسْتَشَارَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَكَمَا سَأَلَ بَرِيرَةَ. وَهَذَا أَمْرٌ يَخُصُّهُ ; فَإِنَّهُ لَمَّا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَتَرَدَّدَ هَلْ يُطَلِّقُ لِمَا بَلَغَهُ عَنْهَا أَمْ يُمْسِكُهَا، صَارَ يَسْأَلُ عَنْهَا بَرِيرَةَ لِتُخْبِرَهُ بِبَاطِنِ أَمْرِهَا، وَيُشَاوِرُ فِيهَا عَلِيًّا: أَيُمْسِكُهَا أَمْ يُطَلِّقُهَا؟ فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: «أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا» ، وَقَالَ عَلِيٌّ: «لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَاسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ» . وَمَعَ
هَذَا فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِبَرَاءَتِهَا وَإِمْسَاكِهَا، مُوَافَقَةً لِمَا أَشَارَ بِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ عُمَرُ يَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الشُّورَى، وَيَتَكَلَّمُ مَعَ نِسَائِهِ فِيمَا يَخُصُّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حَتَّى قَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا عُمَرُ لَقَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى دَخَلْتَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ نِسَائِهِ.
وَأَمَّا الْأُمُورُ الْعَامَّةُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَحْيٌ خَاصٌّ، فَكَانَ يُشَاوِرُ فِيهَا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنْ دَخَلَ غَيْرُهُمَا فِي الشُّورَى، لَكِنْ هُمَا الْأَصْلُ فِي الشُّورَى، وَكَانَ عُمَرُ تَارَّةً يَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِمُوَافَقَتِهِ فِيمَا يَرَاهُ، وَتَارَةً يَتَبَيَّنُ لَهُ الْحَقُّ فِي خِلَافِ مَا رَآهُ فَيَرْجِعُ عَنْهُ.